بقلم: رجاء ناجي
بهدوءٍ شديد، ودون ضجيج، تعيش الطبقة الوسطى المصرية الآن معركة “بقاء” صامتة. هذه الطبقة التي لطالما كانت “رمانة ميزان” المجتمع، ومصنع العقول التي تخرج منها الطبيب والوزير والمحافظ والرئيس، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ وجودي؛ فهي تتآكل وتتقلص، وتحاول التشبث بأي يدٍ تمتد لتنقذها من الانزلاق نحو دائرة “الأولى بالرعايه”.
وإذا كنا نتحدث عن الحماية الاجتماعية، فإن اليد التي يجب أن تُمَد بقوة وبلا إبطاء هي “يد الصحة”؛ فالأمان الصحي هو الهم الأكبر الذي يؤرق مضاجع هذه الأسر. لقد أصبح المرض اليوم، في ظل الارتفاع الجنوني لتكاليف العلاج الخاص، “بعبعاً” حقيقياً يهدد بإفقار عائلات كاملة في ليلة وضحاها، ويحول “مستور الحال” إلى محتاج.
اقرأ ايضًا: الوعي الصحي.. الاستثمار الذي لا يخسر وحائط الصد الأول للدولة والمواطن
إن الحماية الاجتماعية التي توفرها الدولة للطبقات الأكثر احتياجاً أمرٌ واجب ومقدر، لكن لا يجب أن يصرفنا ذلك عن “الجسر” الذي يربط المجتمع ببعضه. هذه الطبقة لا تطلب “إحساناً”، بل تطلب منظومة صحية تحفظ كرامتها ولا تشعرها بـ “الكسرة”.
ماذا تحتاج الطبقة الوسطى الآن؟
نحتاج وبشكل عاجل إلى التوسع الحقيقي في “العيادات المسائية” بالمستشفيات الحكومية، بأسعار اقتصادية عادلة تتناسب مع دخول هذه الأسر، لترحمهم من مقصلة المستشفيات الخاصة التي تحولت جراحاتها وكشوفاتها إلى “سلع ترفيهية” تفوق قدرة البشر.
نحتاج إلى “رقابة حديدية” على مستشفيات التأمين الصحي، وضمان صرف الأدوية الأساسية دون عناء، والأهم من ذلك كله هو “الإسراع” في مد مظلة التأمين الصحي الشامل لكل المحافظات. إن ذلك “الكارنيه التأميني” ليس مجرد ورقة، بل هو صك “الأمان” الذي يجعل المواطن يشعر أن ظهره مسنود، وأنه لن يضطر لبيع أثاث منزله إذا داهمه عارض صحي.
إن دور وزارة الصحة، ووكلاء الوزارة، ومديري المستشفيات، ليس دوراً إدارياً فحسب، بل هو دور “رقابي وإنساني” في المقام الأول. عليهم تفعيل منظومات الشكاوى، والنزول إلى الطرقات، وضمان أن الخدمة تصل لمستحقيها بجودة تليق بآدميتهم.
إن حماية الطبقة الوسطى من التآكل هي “استثمار” في أمن الدولة القومي؛ لأن اختفاء هذه الطبقة يعني انضمام الملايين لقوائم الرعاية الاجتماعية، ووقتها ستتحمل الدولة تكاليف مالية واجتماعية أكبر بكثير مما لو قدمت لها الآن يد العون الصحي بأسعار معقولة.
بهدوء، ارحموا “الطبقة المستورة” من غول الأسعار، ووفروا لهم أماكن تليق بتاريخهم في خدمة هذا الوطن.. فإذا اهتزت رمانة الميزان، اهتز الميزان كله.
دمتم واعين.. دمتم بصحة.


