بقلم: رجاء ناجي
بهدوء.. ومن دون صخب الأرقام، تضعنا التطورات المتسارعة في إقليمنا أمام حقيقة طبية وسياسية مريرة؛ وهي أن “الأنظمة الصحية الهشة” لا تملك ترف الصمود أمام عواصف الصراعات أو زحف الأوبئة. فبينما تتصاعد أصوات المدافع، يرتفع معها أنين الأنظمة الصحية التي أُنهكت بفعل نقص التمويل وسنوات النزوح، لتجد نفسها اليوم – كما حذرت منظمة الصحة العالمية – على حافة انهيار قد يمتد أثره لأجيال.
إن ما يشهده الشرق الأوسط الآن ليس مجرد أزمة أمنية، بل هو “اختبار كفاءة” للمنظومات الصحية. فالمنطقة التي تعاني من انكماش التمويل الدولي وتراجع منح المؤسسات الكبرى، أصبحت مكشوفة الظهر أمام أوبئة قديمة بدأت تعيد رسم خرائطها مستغلةً غياب الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول للمناطق المهمشة. وهنا تبرز الحقيقة القاسية: عندما تنهار الصحة، لا يبقى للأمن معنى، وتصبح تكلفة “الترميم” أضعاف تكلفة “البناء”.
وسط هذا المشهد الضبابي، كانت الدولة المصرية واعية تماماً لهذا الخطر قبل سنوات. لم تنتظر مصر وقوع الأزمة لتبدأ التحرك، بل أدركت أن السيادة الحقيقية تبدأ من “السيادة الصحية”. ومن هنا، انطلقت أكبر عملية إصلاح شاملة للمنظومة الصحية في تاريخ مصر الحديث، متجسدة في مشروع “التأمين الصحي الشامل”.
هذا المشروع ليس مجرد نظام لتغطية النفقات، بل هو بناء “حصون” صحية مستدامة، تعتمد على التمويل الوطني وتوطين صناعة الدواء واللقاحات، لضمان عدم ارتهان صحة المواطن المصري بتقلبات المنح الدولية أو المساعدات التي تتحول أحياناً إلى أوراق ضغط سياسي.
لقد علمتنا الأزمات، من “كورونا” وصولاً إلى صراعات المنطقة اليوم، أن النظام الصحي القوي هو “جيش الصد الأول”. ومصر، وهي تمضي قدماً في تعميم التأمين الصحي الشامل وتوطين الاستجابة للأوبئة، إنما تحجز لنفسها مكاناً في منطقة الأمان، بعيداً عن هشاشة الأنظمة التي تذروها رياح النزاعات.
بناء الأنظمة الصحية القوية هو استثمار في “البقاء”، والوعي المصري بهذا الخطر كان – ولا يزال – هو صمام الأمان الحقيقي .


