لم يعد تطوير القطاع الصحي في مصر يقتصر على إنشاء المستشفيات أو تحديث الأجهزة، بل امتد ليشمل أحد أخطر التحديات التي تواجه المواطنين، وهو الإنفاق الشخصي على الصحة، أي ما يدفعه الفرد من أمواله الخاصة للحصول على العلاج. ويعد هذا المؤشر من أهم معايير كفاءة وعدالة أي نظام صحي، نظرًا لتأثيره المباشر على مستوى معيشة المواطنين.
اقرأ ايضًا: 48 مليار جنيه.. المنيا تنضم لمنظومة التأمين الصحي الشامل لخدمة 6.5 مليون مواطن
الإنفاق الشخصي على الصحة يمثل عبئًا كبيرًا على الأسر، خاصة في الدول متوسطة الدخل، حيث يضطر المواطن في كثير من الأحيان إلى تحمل تكلفة الكشف والعلاج والأدوية دون تغطية تأمينية كافية. وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل العلاج أو الاستدانة أو حتى بيع الممتلكات، وهو ما يُعرف بمفهوم “الفقر الصحي”، عندما تتحول تكلفة العلاج إلى سبب مباشر في تدهور الوضع الاقتصادي للأسرة.
وفي هذا السياق، شهدت مصر تحولًا ملحوظًا مع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، التي تستهدف تحقيق تغطية صحية متكاملة لكل المواطنين دون تمييز. وأظهرت بيانات رسمية صادرة عن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء أن المرحلة الأولى من المنظومة نجحت في خفض الإنفاق الشخصي على الصحة بنسبة 47 في المئة، وهو ما يعكس تأثيرًا مباشرًا في تخفيف العبء المالي عن المواطنين.
كما كشفت البيانات عن وصول نسبة رضا المنتفعين عن الخدمات الصحية إلى أكثر من 86 في المئة، إلى جانب تحمل الدولة اشتراكات نحو 905 آلاف مواطن غير قادر، بما يمثل 17.6 في المئة من إجمالي المسجلين، وهو ما يعكس البعد الاجتماعي للمنظومة وحرص الدولة على حماية الفئات الأكثر احتياجًا.
وتأتي هذه النتائج في وقت تشير فيه التقديرات العالمية إلى أن ارتفاع نسبة الإنفاق الشخصي على الصحة يعد أحد أبرز أسباب الفقر في العديد من الدول، حيث تتجاوز هذه النسبة في بعض الدول النامية 50 في المئة من إجمالي الإنفاق الصحي، بينما تنخفض إلى أقل من 20 في المئة في الدول المتقدمة التي تعتمد على نظم تأمين صحي شاملة.
ومع الاستعداد لإطلاق المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، تتجه الدولة إلى تعميق هذا الأثر الإيجابي، حيث تستهدف تغطية أكثر من 12 مليون مواطن في خمس محافظات هي المنيا ومطروح ودمياط وكفر الشيخ وشمال سيناء، بإجمالي استثمارات تتجاوز 115 مليار جنيه.
وتتصدر محافظة المنيا هذه المرحلة، حيث تشهد استعدادات مكثفة للانضمام إلى المنظومة، مدعومة باستثمارات ضخمة بلغت نحو 48 مليار جنيه لتطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية. ومن المقرر أن يستفيد من المنظومة نحو 6.5 مليون مواطن داخل المحافظة، من خلال شبكة تضم 26 مستشفى و290 منشأة رعاية أولية، على أن يبدأ التشغيل الفعلي بمرحلة أولى تشمل 10 مستشفيات و113 مركزًا ووحدة صحية.
كما تم تخصيص 3.3 مليار جنيه لتبكير إدراج المنيا ضمن المنظومة، على أن يبدأ التشغيل التجريبي في أبريل 2026، في خطوة تعكس تسارع وتيرة تنفيذ المشروع القومي.
ولا تقتصر أهمية منظومة التأمين الصحي الشامل على تقديم الخدمة العلاجية فقط، بل تمتد لتشمل إعادة هيكلة العلاقة بين المواطن والنظام الصحي، من خلال تقليل الاعتماد على الدفع المباشر، وتعزيز مفهوم الوقاية، وتحسين جودة الخدمات، وضمان استدامتها.
وفي هذا الإطار، يمثل خفض الإنفاق الشخصي على الصحة أحد أهم مؤشرات النجاح، ليس فقط على المستوى الصحي، ولكن أيضًا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، حيث يسهم في حماية الأسر من الوقوع في براثن الفقر، ويعزز من شعور المواطنين بالأمان الصحي.
ومع التوسع التدريجي في تطبيق المنظومة، تقترب مصر من تحقيق هدفها الاستراتيجي بتوفير تغطية صحية شاملة، قائمة على العدالة والكفاءة، بما يضمن حصول كل مواطن على الخدمة الطبية دون أن يتحمل أعباء مالية تفوق قدرته.




