تشير أحدث التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطرابات النفسية أصبحت من أكثر التحديات الصحية انتشارًا في العصر الحديث، حيث يعاني ما يقرب من واحد من كل أربعة أشخاص حول العالم من شكل من أشكال الاضطراب النفسي خلال مراحل مختلفة من حياته، في مؤشر يعكس اتساع نطاق الأزمة عالميًا.
وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية الحديثة، يعيش أكثر من 1.1 مليار شخص حول العالم مع اضطرابات نفسية، تشمل الاكتئاب والقلق والاضطرابات السلوكية، ما يجعل الصحة النفسية أحد أكبر مسببات الإعاقة طويلة الأمد عالميًا.
اقرأ ايضًا: الصحة تطلق مبادرة «صحتك سعادة» لدعم الصحة النفسية.. كسر الوصمة
الاكتئاب.. ثاني سبب للإعاقة عالميًا
تؤكد البيانات العلمية أن الاكتئاب وحده يمثل أحد أكبر أسباب فقدان سنوات الحياة الصحية، ويأتي في المرتبة الثانية عالميًا بعد أمراض القلب والأوعية الدموية من حيث الإعاقة وتأثيره على جودة الحياة.
كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب يصيب نحو 5% من البالغين عالميًا (حوالي 280 مليون شخص)، ويعد من أبرز الأسباب المؤدية إلى الانتحار، والذي يتسبب في وفاة أكثر من 700 ألف شخص سنويًا.
فجوة علاجية ضخمة.. 80% لا يتلقون الرعاية
واحدة من أخطر الإشكاليات التي تكشفها الدراسات العالمية هي الفجوة في الوصول إلى العلاج، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
فوفق تقديرات متعددة لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 75% من المصابين باضطرابات نفسية في الدول النامية لا يحصلون على أي علاج فعّال، وترتفع هذه النسبة في بعض المناطق لتتجاوز 80% من المرضى غير المشخّصين أو غير المتلقين للرعاية الطبية، نتيجة نقص الخدمات، والوصمة الاجتماعية، وضعف الموارد البشرية.
عبء اقتصادي وصحي عالمي متصاعد
لا يقتصر تأثير الاضطرابات النفسية على الجانب الصحي فقط، بل يمتد ليشكل عبئًا اقتصاديًا ضخمًا؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب والقلق وحدهما يتسببان في خسائر إنتاجية عالمية تُقدّر بنحو تريليون دولار سنويًا نتيجة تراجع القدرة على العمل وفقدان الإنتاجية.
كما تُظهر البيانات أن الاضطرابات النفسية تُعد من أهم أسباب الإعاقة غير القاتلة عالميًا، حيث تمثل نسبة كبيرة من سنوات الحياة المفقودة بسبب الإعاقة طويلة الأمد.

لماذا تتفاقم الأزمة؟
يرجع الخبراء هذا الوضع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
* نقص خدمات الصحة النفسية المتخصصة
* ضعف التمويل المخصص للصحة النفسية (حوالي 2% فقط من ميزانيات الصحة في بعض الدول)
* الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي
* قلة الكوادر الطبية المتخصصة
اقرأ ايضًا: «الصحة» تصدر أكثر من مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه
خلاصة
تشير الأدلة إلى أن الاضطرابات النفسية لم تعد قضية فردية أو اجتماعية فقط، بل أصبحت أحد أكبر تحديات الصحة العامة عالميًا.
ورغم توفر علاجات فعّالة، فإن الفجوة بين الحاجة إلى الرعاية والحصول عليها لا تزال واسعة، ما يجعل الاستثمار في الصحة النفسية والتشخيص المبكر وتوسيع خدمات العلاج ضرورة ملحة وليست خيارًا.



