تحذيرات من “انهيار صحي” عالمي بسبب تراجع التمويل وعودة الأوبئة
في بيان عاجل يعكس خطورة المشهد، أعربت الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، عن قلق بالغ حيال التصاعد السريع للأعمال العدائية في منطقة الشرق الأوسط. وأكدت بلخي أن الإقليم يعاني أصلاً من “هشاشة مزمنة” ناتجة عن سنوات من النزاعات، والنزوح، ونقص التمويل، محذرة من أن الموجة الحالية من العنف لن تكتفي بإزهاق الأرواح مباشرة، بل ستدفع بالأنظمة الصحية المنهكة إلى حافة الانهيار الكامل، وتعطل الخدمات الأساسية، وتترك صدمات نفسية لن تُمحى لعقود.
عندما تشتعل الحروب.. ويتراجع التمويل: من يدفع الثمن؟
يأتي تحذير “بلخي” متزامناً مع أزمة عالمية صامتة تتمثل في “انكماش التمويل الصحي”. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأنظمة الهشة في مناطق النزاع للدعم، يشهد العالم تراجعاً حاداً في منح المؤسسات الدولية نتيجة التضخم والتحولات السياسية في الدول الكبرى.
هذا التراجع ليس مجرد أرقام في تقارير، بل هو واقع مرير يترجم إلى ملايين البشر الذين يفقدون الوصول للعلاج المجاني. وبحسب تقرير معهد القياسات الصحية (IHME) لعام 2025، انخفضت مساعدات التنمية للصحة بنسبة 21%، مما ترك فجوات هائلة في برامج مكافحة الإيدز، والسل، والملاريا، والتطعيمات الأساسية.

الأنظمة الهشة.. خط الدفاع الأول الذي يتداعى
في ظل الصراعات، تصبح الأنظمة الصحية “ورقة تفاوض” أو “ضحية جانبية”، وهو ما حذرت منه الدكتورة حنان بلخي بضرورة حماية المدنيين والعاملين الصحيين بموجب القانون الدولي. وفي غياب التمويل المستدام، تظهر المخاطر بوضوح:
* فيروسات تتحرك في الظل: في إقليم شرق المتوسط وحده، يوجد 610 آلاف شخص متعايش مع فيروس نقص المناعة البشري (HIV)، ولا يحصل على العلاج سوى 30% منهم فقط.
* الثغرات الثلاث: نحن أمام “ثغرة تمويل، وثغرة عدالة، وثغرة خدمات”، وإذا لم تُغلق هذه الفجوات الآن، فإن الأوبئة التي ظن العالم أنه دحرها تستعد للعودة بقوة.
منظمات تحتضر وبرامج تتقلص
أدت الأزمات الاقتصادية وتوجيه الموارد نحو النزاعات المسلحة إلى إجبار برامج أممية كبرى مثل (UNAIDS) على تقليص قوتها العاملة بنسبة 30%، مما يعني إغلاق مكاتب ميدانية كانت تمثل “شريان الحياة” للمناطق المهمشة في أفريقيا وآسيا والمنطقة العربية. وغياب هذه المنظمات يترك فجوات خطيرة، خاصة في مواجهة “الوصم والتمييز” المرتبط بالأمراض السارية.
التجربة المصرية: الاستثمار في “القوة الذاتية”
في ظل هذا المشهد القاتم، تقدم مصر نموذجاً في محاولة “تأمين الذات” صحياً لمواجهة تقلبات المانحين، وذلك عبر:
* تعميم التأمين الصحي الشامل: لضمان استدامة الخدمة بعيداً عن المنح.
* توطين صناعة الدواء واللقاحات: وهو الدرس الذي استوعبته مصر جيداً بعد نجاح مبادرة “100 مليون صحة” والقضاء على فيروس سي بتصنيع محلي خفض التكاليف الباهظة.
* الاعتماد على الميزانية الوطنية: لتقليل الفجوة في برامج مكافحة السل والإيدز والصحة الإنجابية.
المرض لا يحتاج جواز سفر
يبقى التحذير الأهم: إن تقليص دعم الصحة العالمية في الدول الفقيرة أو المتأثرة بالصراعات هو “سلوك ساذج”؛ فالأمراض لا تعترف بالحدود السياسية. تراجع التمويل يزيد احتمالات عودة شلل الأطفال والحصبة، ويضعف قدرة العالم ككل على مواجهة أي وباء جديد قد ينطلق من منطقة منهكة صحياً.
خاتمة :بوابة مصر الصحية:
بينما تناشد منظمة الصحة العالمية أطراف النزاع بضبط النفس، يبقى السؤال الأخطر معلقاً: كم من الأرواح ستُفقد لأن العالم قرر خفض ميزانيات الصحة وتوجيهها نحو السلاح؟ الأرقام تُنذر، والواقع أكثر قسوة من التقارير، وما لم يتم تقوية الأنظمة الصحية الوطنية لتصمد أمام الصدمات، فإن تكلفة التقصير غداً ستكون أضعاف ما يحاول العالم توفيره اليوم.
المصادر: بيان المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية (مارس 2026) + تقرير معهد القياسات الصحية والتقييم (IHME) + بيانات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية.



