إدارة شكاوى المرضى الدوليين: هل نسمع المريض أم ندافع عن أنفسنا؟

إدارة شكاوى المرضى الدوليين: هل نسمع المريض أم ندافع عن أنفسنا؟

د. اسعد رياض

في قطاع السياحة العلاجية، لا تُقاس جودة المنظومة بعدد العمليات الناجحة فقط، بل بقدرتها على التعامل مع لحظات الإخفاق، وسوء الفهم، وعدم الرضا. الشكوى ليست تهديداً للسمعة بقدر ما هي اختبار حقيقي لنضج الإدارة. والسؤال الذي يجب طرحه بصدق هو: عندما يشتكي المريض الأجنبي، هل نستمع إليه… أم ننشغل بالدفاع عن أنفسنا؟

في كثير من التجارب داخل المنطقة، تُدار الشكوى بعقلية تبريرية لا بعقلية تصحيحية. يُنظر إلى المريض بوصفه “غير متفهم” أو “مبالغاً”، وتتحول الشكوى من فرصة تحسين إلى معركة لإثبات أن المنشأة لم تُخطئ. هذا المنهج قد يُرضي الإدارة داخلياً، لكنه يُفقد الثقة خارجياً، حيث تُبنى سمعة الدول الطبية اليوم على منصات التقييم والتجارب المتداولة أكثر مما تُبنى على الإعلانات الرسمية.

الشكوى الدولية تختلف جذرياً عن الشكوى المحلية. المريض الأجنبي يأتي محملاً بتوقعات عالية، ومرجعيات ثقافية مختلفة، وحساسية مضاعفة تجاه الوقت، والتواصل، والشفافية. أي تأخير غير مبرر، أو رد غامض، أو لغة دفاعية، يُفسَّر فوراً على أنه استخفاف أو إخفاء. المشكلة هنا ليست في حجم الخطأ، بل في طريقة التعامل معه.

الخلل الشائع أن كثيراً من المؤسسات لا تمتلك نظاماً واضحاً لإدارة الشكاوى الدولية. لا توجد سياسات مكتوبة تحدد من يستقبل الشكوى، ومن يحقق فيها، ومن يرد، وفي أي إطار زمني. غالباً ما تُدار الشكاوى بشكل فردي، خاضع لاجتهادات شخصية، ما يجعل التجربة غير متسقة وغير قابلة للقياس. الأسوأ من ذلك أن بعض الإدارات تتعامل مع الشكوى كملف قانوني منذ اللحظة الأولى، فتغيب لغة التعاطف، ويحل محلها خطاب دفاعي جاف.

الاستماع الفعّال لا يعني الإقرار بالخطأ تلقائياً، لكنه يعني الاعتراف بتجربة المريض كما عاشها هو، لا كما تراها المؤسسة. هناك فرق جوهري بين قول “نحن لم نخطئ” وقول “نحن نأسف لأن تجربتك لم تكن كما توقعت”. الأولى تغلق الحوار، والثانية تفتحه. المؤسسات الناضجة تفهم أن إدارة الشعور لا تقل أهمية عن إدارة الوقائع.

من منظور دولي، تُعد الشفافية وسرعة الاستجابة عنصرين حاسمين. المريض الأجنبي يتوقع رداً واضحاً، بلغة يفهمها، وفي وقت محدد. التأخير في الرد غالباً ما يُفسَّر كتهرب، حتى لو لم يكن كذلك. كما أن غياب آلية تصعيد واضحة يفقد المريض إحساسه بالعدالة، ويدفعه للجوء إلى القنوات العامة، حيث تتحول الشكوى الفردية إلى أزمة سمعة.

الأهم أن الشكاوى يجب أن تُعامل كمصدر معرفة، لا كعبء إداري. تحليل أنماط الشكاوى الدولية يكشف فجوات متكررة في التواصل، أو التنسيق، أو الخدمات المصاحبة، وهي فجوات لا تظهر في التقارير السريرية التقليدية. تجاهل هذه البيانات يعني تكرار الأخطاء نفسها مع مرضى جدد، ثم التساؤل لاحقاً عن سبب تراجع الثقة.

في السياحة العلاجية، لا يُحاسب المريض المؤسسة على الخطأ بقدر ما يُحاسبها على ردّ فعلها. الدفاع الأعمى قد يحمي الملف قانونياً على المدى القصير، لكنه يضر بالسمعة على المدى الطويل. أما الاستماع، والتعاطف، والتصحيح المنهجي، فهي أدوات بناء ثقة حقيقية.

في النهاية، إدارة الشكاوى الدولية ليست وظيفة ثانوية ولا إجراءً شكلياً. إنها مرآة تعكس ثقافة المنظومة الصحية بأكملها. وعندما نختار أن نسمع المريض قبل أن ندافع عن أنفسنا، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو نضج مؤسسي يستحق ثقة العالم.

د. اسعد رياض

المدير الاقليمى لتيموس العالمية في مصر وشمال افريقيا

وعضو استشاري للمجلس العالمى للسياحة العلاجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top