في ختام أول اجتماع وزاري صحي تستضيفه مصر لمنظمة التعاون الاقتصادي للدول الثماني الإسلامية النامية (D-8)، أعلن الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، اعتماد وزراء الصحة وكبار المسؤولين «إعلان القاهرة الوزاري المشترك للصحة»؛ وهو وثيقة سياسية تحمل ملامح مرحلة جديدة من العمل الصحي المشترك بين دول يفوق عدد سكانها 1.2 مليار نسمة، وتواجه تحديات متشابهة تتطلب تنسيقًا أعمق أكثر من أي وقت مضى
هذا الإعلان لم يأتِ بصيغة بروتوكولية معتادة، بل جاء ليعكس إدراكًا جماعيًا بأن الأمن الصحي تحول إلى عنصر رئيسي من عناصر استقرار الدول، وأن التعاون الصحي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم يواجه أوبئة متكررة، وارتفاعًا في مقاومة المضادات الحيوية، وأعباء أمراض مزمنة، وتغيرات مناخية تُهدد الأنظمة الصحية الهشة.

ماذا يعني «إعلان القاهرة»؟
الإعلان يمثل إطارًا سياسيًا جديدًا أشبه بخريطة طريق تتجاوز المبادئ العامة إلى التزامات تنفيذية، أبرزها:
– إنشاء مجموعة عمل صحية دائمة داخل المنظمة
وهو تحول مهم يشير إلى الانتقال من الاجتماعات الموسمية إلي شكل يسمح بمتابعة المشروعات، وتقييم الأداء، وتوحيد آليات الاستجابة الصحية.
– بناء قدرات مشتركة لمواجهة الأوبئة
من خلال تطوير أنظمة إنذار مبكر، وتطبيق اللوائح الصحية الدولية، وتبادل البيانات الوبائية، وهي خطوة تعزز أمن الإقليم في مواجهة موجات عدوى مستقبلية على غرار كوفيد-19.
– دعم التصنيع المحلي للأدوية واللقاحات
وهو جزء محوري في الإعلان؛ إذ تواجه دول D-8 أعباء كبيرة نتيجة اعتمادها على الاستيراد.
و الإعلان يطرح توجهًا نحو إنشاء سلاسل توريد إقليمية بديلة وتقليل التبعية الدوائية، بما يفتح الباب أمام شراكات واسعة في البحث والتطوير.
– مكافحة مقاومة مضادات الميكروبات AMR
وهي واحدة من أخطر التحديات في الإقليم، إذ تظهر بيانات منظمة الصحة العالمية ارتفاعًا كبيرًا في عدوى بكتيرية لا تستجيب للعلاج.
الإعلان يدعو إلى إنشاء أنظمة رصد موحدة وبرامج استخدام رشيد للمضادات.
– مواجهة أثر تغيّر المناخ على الصحة
من خلال بناء نظم صحية مرنة قادرة على التعامل مع ارتفاع الحرارة، تلوث الهواء، والكوارث المناخية؛ وهي قضايا تمس ملايين المواطنين في الدول الأعضاء.
– تعزيز صحة الأم والطفل والمراهقين
ليس فقط عبر الخدمات الأساسية، بل من خلال تبني منهج “طوال دورة الحياة”، وهو توجه يعكس رؤية أكثر شمولًا لرعاية الأجيال.
– التحول الرقمي الصحي
الإعلان يضع التحول الرقمي في صدارة الأولويات:
سجلات طبية إلكترونية، طب عن بُعد، ذكاء اصطناعي، وحماية البيانات.
وهو ما يفتح الباب أمام نموذج صحي أكثر كفاءة وتكاملًا.

دور مصر… حظي بإشادة واسعة
الإشادة الواسعة التي تلقّتها مصر خلال الاجتماعات لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل انعكاسًا لطبيعة الدور الذي لعبته في صياغة «مسار القاهرة الصحي» داخل المنظمة.
فمن خلال برامجها الوطنية – من التأمين الصحي الشامل، إلى المبادرات الرئاسية، إلى تطوير البنية التحتية الصحية – قدمت مصر نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه، ودفعت نحو تحويل الأفكار إلى خطط تنفيذية سيتم البدء فيها خلال عام 2026.
كما شكّل الاجتماع فرصة لإطلاق منصة تعاون واسعة بين الدول الأعضاء، بما يشمل الشركات الدوائية والمستثمرين وشركاء التنمية الدوليين.
كيف سيؤثر الإعلان على المواطنين في دول D-8؟
تحليل بنود الإعلان يشير إلى أن تأثيره المتوقع سيمس ثلاثة مسارات أساسية:
– تحسين الجاهزية الصحية وخفض مخاطر الأوبئة.
– إتاحة دواء ولقاح بأسعار أقل عبر تصنيع مشترك.
– تعزيز الخدمات الرقمية وتسهيل الوصول للرعاية في المناطق النائية.
وهذه التحولات – إذا طُبقت بجدية – يمكن أن تغير شكل الأنظمة الصحية في دول المنظمة خلال الأعوام القليلة المقبلة.
خطوة تاريخية ومسار مستقبلي
اعتماد «إعلان القاهرة» ليس مجرد نهاية لاجتماع وزاري، بل بداية لمسار جديد من التضامن الصحي بين الدول الإسلامية النامية.
الوثيقة تعكس إدراكًا مشتركًا بأن التحديات الصحية العابرة للحدود تحتاج حلولًا مشتركة، وأن التعاون العلمي والدوائي والتقني هو الطريق الأقرب لتحقيق الأمن الصحي الإقليمي وأهداف التنمية المستدامة.
ومع قيادة مصر لهذا المسار، تبدو الفرصة مواتية لتحويل الإعلان إلى نموذج عمل فعلي يعزز مكانة دول D-8 في الخريطة الصحية العالمية.



