في لحظة نادرة، يتحول اسمٌ من هامش المخطوطات إلى قلب معركة الذاكرة العلمية: الدورة الدموية الصغرى—الطريق الذي يسلكه الدم من القلب إلى الرئتين ثم يعود—تُدرَّس في معظم السرديات الغربية كحكاية نضجت في أوروبا، ثم اكتملت لاحقًا على يد روّاد عصر النهضة. لكن قبل ذلك بقرون، كان –أبن النفيس-طبيب عربي يكتب بهدوء ما سيصبح لاحقًا حجر الأساس لفهم القلب والرئة: علاء الدين ابن النفيس.
القصة ليست مجرد “سبق علمي”، بل سؤال أشد قسوة: كيف يمكن لاكتشاف صحيح أن يُكتب مبكرًا… ثم يُنسى طويلًا؟ وهل كان ما حدث “سرقة” بالمعنى الحرفي، أم إقصاءً تاريخيًا صنعتْه اللغة، والسياسة، ومسارات النشر، وميزان القوة؟

من هو ابن النفيس؟ الطبيب الذي كتب من القاهرة ما لم تقله أوروبا بعد
ابن النفيس (1213–1288) طبيب وعالم تشريح من بلاد الشام عاش جزءًا كبيرًا من حياته العلمية في القاهرة. ويُجمع مؤرخون وباحثون في تاريخ الطب على أنه قدّم وصفًا مبكرًا ودقيقًا لمسار الدم عبر الرئتين، مخالفًا النظرية الجالينوسية التي سيطرت على الطب قرونًا.
أهمية ابن النفيس لا تأتي فقط من “معلومة” قالها، بل من منهجه: لم يردّد ما هو سائد، بل ناقش، ونقض، وقدّم تفسيرًا تشريحيًا-وظيفيًا يربط القلب بالرئتين بصورة أقرب للفهم الحديث.
الاكتشاف الذي قلب نظرية عمرها ألف عام
قبل ابن النفيس، سيطرت رؤية الطبيب الإغريقي جالينوس: الدم ينتقل من البطين الأيمن إلى الأيسر عبر “ثقوب غير مرئية” في الحاجز بين البطينين، ثم يختلط بالهواء. ابن النفيس قال ما بدا وقتها صادمًا: الحاجز بين البطينين “مصمت” بلا ثقوب، والدم لا يعبر مباشرة من اليمين إلى اليسار، بل يخرج من القلب إلى الرئتين، يختلط هناك بما يلزم، ثم يعود إلى القلب. هذه هي الدورة الدموية الصغرى كما نعرفها اليوم. بكلمات أخرى: الرئة ليست “محطة جانبية”، بل قلب العملية.

أين كتب ابن النفيس ذلك؟ كتاب صغير هزم “المسلمات”
اللافت أن أهم ما نعرفه عن اكتشافه ورد في عمل يبدو “تعليقًا” لكنه كان قنبلة معرفية:
«شرح تشريح القانون» (تعليق على التشريح في “القانون” لابن سينا). هذا النص يُشار إليه اليوم كأقدم ما حفظ وصفًا واضحًا للدورة الدموية الصغرى، ويُستشهد به في مراجع طبية وتاريخية متعددة.
400 عام من الفارق… لماذا تُنسب القصة غالبًا لأوروبا؟
لنضع الخط الزمني كما هو، بلا شعارات:
• ابن النفيس كتب وصفه في القرن الثالث عشر.
• في أوروبا، عاد موضوع “الدورة الرئوية” للظهور في القرن السادس عشر عند ميخائيل سيرفيتوس (1553) وريالدو كولومبو (1559).
• ثم جاء ويليام هارفي عام 1628 ليؤسس فهم الدورة الدموية الكبرى (الدوران العام) عبر الجسم بمنهج تجريبي صارم.
المفارقة هنا أن كتبًا كثيرة تتعامل مع “الدورة” كأنها بدأت من أوروبا، بينما الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا: الدورة الصغرى وُصفت بدقة قبل ذلك بقرون، لكن لم يحدث “انتقال معرفي” طبيعي يجعلها جزءًا من التيار الأوروبي السائد في وقتها.

هل “سرق الغرب” اكتشاف ابن النفيس؟ التحقيق في السؤال الأصعب
القول بالسرقة يحتاج دليلًا مباشرًا: من قرأ ابن النفيس؟ من نقل عنه؟ ومن تبنّى فكرته دون إشارة؟
وهنا يجب أن نكون صارمين: لا توجد ورقة واحدة حاسمة تقول إن عالمًا أوروبيًا اقتبس نص ابن النفيس حرفيًا ثم نسبه لنفسه.
لكن توجد حقائق صلبة تجعل السؤال مشروعًا بصيغة أدق:
هل تم تجاهله لأن العالم لم يكن يسمع إلا صوته؟
1) المخطوطات… المعرفة التي لم تُطبع
الكثير من تراث ابن النفيس ظل في صورة مخطوطات، لا كتب مطبوعة واسعة الانتشار. وفي التاريخ، ما لا يُطبع ولا يُدرّس، يُنسى—even لو كان صحيحًا.
2) عائق اللغة ومسارات الترجمة
حتى لو وجدت ترجمات جزئية، فإن انتقال الأفكار عبر القرون لا يحدث بمجرد وجود نص مترجم في مكان ما؛ بل يحتاج مدارس وتدريسًا ونقاشًا وتراكمًا.
3) “مركزية السرد” الأوروبية لاحقًا حين صعدت أوروبا علميًا، كتبت تاريخ العلم من مركزها. في كثير من المجالات، لم يكن “السبق” وحده كافيًا ليدخل صاحبه كتاب التاريخ؛ كان يجب أن يمر عبر “بوابة الاعتراف” التي تمتلك أدوات النشر والتأريخ.
لحظة إعادة اكتشاف ابن النفيس: 1924… حين خرج من المخزن إلى الضوء
القصة تزداد إثارة: لقرون طويلة، لم يكن اسم ابن النفيس مرتبطًا عالميًا بالدورة الدموية الصغرى. ثم جاء عام 1924 حين عثر طبيب مصري، محيي الدين التطاوي، على مخطوط «شرح تشريح القانون» في مكتبة ببرلين أثناء دراسته، وأعاد لفت الانتباه إلى نص ابن النفيس وسبقِه العلمي.
منذ تلك اللحظة بدأ الاعتراف يتسع في دوائر تاريخ الطب، وظهرت مقالات أكاديمية تؤكد أن ابن النفيس وصف الدورة الرئوية قبل الأوروبيين بقرون.

لماذا يهمنا ابن النفيس اليوم؟ لأن “الذاكرة العلمية” ليست محايدة
القصة ليست فقط لاستعادة حق تاريخي، بل لسبب عملي:
حين يتعلم القارئ المصري والعربي أن في تاريخه العلمي أسماءً صنعت فرقًا حقيقيًا، تتغير علاقته بالعلم من “مستهلك” إلى “امتداد حضاري قادر على الإنتاج”.
ابن النفيس يُذكّرنا بأن التقدم العلمي ليس حكرًا على جغرافيا، وأن الخسارة الكبرى ليست ضياع الاكتشاف فقط، بل ضياع “الثقة” في القدرة على الاكتشاف.
خلاصة: بوابة مصر الصحية
ابن النفيس لم يكن أسطورة من ورق، بل عالمًا قدّم وصفًا صحيحًا للدورة الدموية الصغرى، ونقض فكرة الثقوب الخيالية في حاجز القلب، واضعًا الرئة في مركز المعادلة. سبق أوروبا في الفكرة بقرون، لكنه لم يدخل السرد العالمي إلا متأخرًا، بعد أن أُعيد اكتشاف نصه في القرن العشرين.
أما سؤال “كيف سرق الغرب اكتشافه؟” فالأقرب للدقة:
لم تكن سرقة موثقة بقدر ما كانت منظومة نسيان… لا تعترف إلا بما يُنشر ويُدرّس ويُروى من المركز.
والدرس الأهم:
العلم لا يكفي أن يُكتشف… يجب أيضًا أن يُحفظ، ويُوثّق، ويُدرّس، حتى لا يبتلعه الصمت.
مراجع للتوثيق
• الموسوعة البريطانية: سيرة ابن النفيس ووصفه للدورة الرئوية.
• مقالة علمية عن ابن النفيس والدورة الرئوية (PMC/NIH). .
• مرجع أكاديمي يضع ابن النفيس قبل سيرفيتوس وكولومبو بثلاثة قرون.
• معلومات عن اكتشاف المخطوط في برلين (1924) وتاريخه.
• سياق تاريخي للدورة الرئوية في أوروبا وهارفي (1628).



