في الحادي والعشرين من يونيو عام 1037، أسدل الستار على حياة واحد من أعظم العقول في تاريخ الإنسانية، الطبيب والفيلسوف المسلم ابن سينا، الذي لم يكن مجرد عالم في عصره، بل مدرسة فكرية متكاملة ظل تأثيرها ممتدًا قرونًا بعد رحيله. ووفقًا لدائرة المعارف البريطانية، يُعد ابن سينا الشخصية الطبية والفلسفية الأكثر شهرة وتأثيرًا في العصور الوسطى.
وُلد الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي، الشهير بابن سينا، عام 980 ميلاديًا قرب بخارى في أوزبكستان الحالية، ونشأ في بيئة علمية فتحت أمامه أبواب المعرفة منذ الصغر، فحفظ القرآن كاملًا في سن العاشرة، وتعلّم الأدب العربي والفارسي، ثم اتجه لدراسة المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية، قبل أن يختار الطب طريقًا له في سن السادسة عشرة، ليبدأ رحلة علمية استثنائية غيّرت وجه الطب في العالم.
اقرأ ايضاً: ابن النفيس… الطبيب الذي سبق أوروبا بـ400 عام، مكتشف الدورة الدموية الصغرى الذي عاد اسمه متأخرًا إلى كتب الطب
كلوت بك… الأسطورة التي صنعت الطب المصري حكاية مؤسس القصر العيني وبداية نهضة الطب في الشرق
لم يكد يبلغ الثامنة عشرة حتى ذاع صيته طبيبًا بارعًا، وعندما أصيب سلطان بخارى بمرض حيّر أطباء البلاط، استُدعي ابن سينا لعلاجه، فنجح في إنقاذه، ليكافئه السلطان بفتح أبواب المكتبة السامانية السلطانية أمامه، وهي من أعظم خزائن المعرفة آنذاك، فكانت هذه اللحظة نقطة تحول صنعت من ابن سينا موسوعة بشرية جمعت بين الفلسفة والطب والعلوم الطبيعية.

بدأ ابن سينا التأليف في سن الحادية والعشرين، ووُضع اسمه على ما يقرب من 240 كتابًا في مجالات شتى شملت الرياضيات والهندسة والفلك والفيزياء والميتافيزيقا واللغة والموسيقى والشعر، لكن عملين بقيا علامة فارقة في التاريخ هما كتاب الشفاء، الموسوعة الفلسفية والعلمية الضخمة، وكتاب القانون في الطب الذي أصبح المرجع الطبي الأول في أوروبا والعالم الإسلامي لأكثر من سبعة قرون.
عرفه المسلمون بلقب الشيخ الرئيس، وأطلق عليه الغرب لقب أمير الأطباء وأبو الطب الحديث في العصور الوسطى، وهو لقب لم يأتِ من فراغ، فقد وضع في كتاب “القانون” نظامًا علميًا دقيقًا لتصنيف الأمراض وتشخيصها وعلاجها، وقسّمه إلى خمسة كتب تناولت التشريح وأسباب الأمراض والأعراض والنظافة والصحة العامة وتصنيف العلل والعلاج الدوائي والأدوية المركبة، ليقدم ما يشبه أول موسوعة طبية منظمة في التاريخ.
تميّز ابن سينا بدقة الملاحظة السريرية، فربط بين تغير البول ومرض السكري، ووصف مرض الجمرة الخبيثة، واقترح استخدام النبيذ لتطهير الجروح، وسبق عصره حين تحدث عن انتقال العدوى وضرورة الحجر الصحي، وأشار إلى أن الماء والهواء قد يحتويان على كائنات دقيقة لا تُرى بالعين المجردة تسبب الأمراض، وهو ما أثبته العلم بعد قرون مع اكتشاف المجهر.
كما كان من أوائل من مارسوا الطب التجريبي، فكان يختبر الأدوية على الحيوانات قبل استخدامها على البشر، ووصف بدقة الالتهاب السحائي والسكتة الدماغية والشلل الناتج عن أسباب داخلية، ووضع أسسًا علمية لفهم الأمراض المزمنة.
ولم يتوقف إبداعه عند الطب الجسدي فقط، بل يُعد رائدًا في الطب النفسي، إذ كتب عن الاكتئاب والوسواس والهلاوس والصدمات النفسية، وكان يعالج المرضى بالحوار والتحليل النفسي في زمن كانت تُفسَّر فيه هذه الأمراض بالخرافات، كما استخدم وسائل تشخيص لا تزال تُستخدم حتى اليوم مثل قياس النبض، والفحص السريري، وتحليل البول والبراز.

في الفلسفة، قدّم ابن سينا رؤية كونية عميقة تمحورت حول مركزية الخالق، حيث رأى أن الله هو السبب الأول للوجود، وأن العقل الإنساني يستمد نوره من النور الإلهي، وظهر هذا الفكر بوضوح في كتابه “الشفاء” الذي ضم أربعة أقسام كبرى هي المنطق والفيزياء والرياضيات والميتافيزيقا، واضعًا تصنيفًا شاملًا للمعرفة الإنسانية لم يُسبَق إليه في عصره.
وعلى الرغم من عبقريته، عاش ابن سينا وسط اضطرابات سياسية ودينية أجبرته على التنقل المستمر، مما عطّل كثيرًا من أبحاثه، حتى وجد الاستقرار في أصفهان في ظل حكم علاء الدولة، وهناك عاش أيامه الذهبية، وعقد مجالسه العلمية الأسبوعية، وأكمل أعظم مؤلفاته في بيئة آمنة سمحت له بالإبداع الحر.
ظل تأثير ابن سينا ممتدًا في الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر، حيث دُرِّس كتابه “القانون” في باريس وبولونيا وأكسفورد، وكان المرجع الأساسي لتدريس الطب، وتخرّج على أسسه آلاف الأطباء في أوروبا والعالم الإسلامي، حتى اعتبره المؤرخ البلجيكي جورج ساتون “ظاهرة فكرية عظيمة يصعب إيجاد من يماثلها في التاريخ”.
وفي أواخر حياته، أصيب ابن سينا بمغص شديد وداء الإمساك، وعالج نفسه بوسائل بدائية، ويُرجح أنه تعرض للتسمم، ومع ذلك ظل يرافق علاء الدولة في أسفاره حتى اشتدت عليه العلة وتوفي في شهر رمضان عام 428 هجريًا الموافق 1037 ميلاديًا عن عمر ناهز 57 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا علميًا لا يُقدّر بثمن.
بعد ألف عام من رحيله، ما زال اسم ابن سينا حاضرًا في كتب الطب والفلسفة، وفي أسماء مستشفيات ومراكز أبحاث حول العالم، شاهدًا على أن الحضارة العربية كانت يومًا منارة للعلم، وأن عقلًا واحدًا قادر على تغيير مسار الإنسانية حين يؤمن بالعلم رسالة لا تنتهي.



