علماء يكتشفون آلية واعدة لهزيمة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.. هل تقترب نهاية “العدوى المستعصية”؟
في خطوة قد تمثل تحولًا مهمًا في معركة الطب ضد البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، نجح فريق دولي من العلماء في اكتشاف آلية بيولوجية جديدة تُجبر البكتيريا على تفكيك “حصونها الدفاعية” ذاتيًا، دون الحاجة إلى استخدام مضادات حيوية، وهو ما قد يفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات لمواجهة واحدة من أخطر الأزمات الصحية في العالم.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Microbiology، بقيادة باحثين من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وبمشاركة علماء من جامعة بومبيو فابرا الإسبانية (UPF)، حيث توصل الباحثون إلى آلية لم تكن معروفة سابقًا تسمح للبكتيريا بالخروج من الأغشية الحيوية (Biofilms) التي تحتمي داخلها.
اقرأ ايضًا: الوباء الصامت يقترب”.. مقاومة المضادات الحيوية تهدد 10 ملايين إنسان سنويًا بحلول 2050
ما هي الأغشية الحيوية؟ ولماذا تمثل مشكلة؟
الأغشية الحيوية هي تجمعات من البكتيريا تلتصق بالأسطح وتحيط نفسها بطبقة لزجة تنتجها بنفسها، تعمل كدرع واقٍ يمنع وصول المضادات الحيوية وخلايا الجهاز المناعي إليها.
وتُعد هذه الأغشية أحد أهم أسباب استمرار العدوى المزمنة وصعوبة علاجها، خاصة في:
* القساطر الطبية.
* المفاصل والأطراف الصناعية.
* الجروح المزمنة.
* التهابات الرئة لدى بعض المرضى.
* التهابات المسالك البولية المتكررة.
وتشير الدراسات إلى أن البكتيريا داخل هذه الأغشية قد تصبح أكثر تحملًا للمضادات الحيوية بما يصل إلى 1000 مرة مقارنة بالبكتيريا الحرة، وهو ما يجعل علاجها بالغ الصعوبة.
ماذا اكتشف العلماء؟
أظهرت الدراسة أن بعض أنواع البكتيريا تنتج مادة هلامية (Hydrogel) تمتص الماء تدريجيًا، ما يؤدي إلى تراكم ضغط داخلي كبير داخل الغشاء الحيوي.
وعندما يصل الضغط إلى مستوى معين، يدفع هذا الهلام بعض الخلايا البكتيرية إلى خارج الغشاء، لتغادر المستعمرة وتنتقل إلى أماكن جديدة.
والأهم من ذلك، أن الباحثين تمكنوا داخل المختبر من تعزيز هذه الآلية طبيعيًا، ما أدى إلى تفكك الغشاء الحيوي بالكامل، دون استخدام أي مضاد حيوي.
لماذا يُعد الاكتشاف مهمًا؟
يرى الباحثون أن المشكلة الأساسية ليست دائمًا في ضعف المضادات الحيوية، بل في أن الأغشية الحيوية تمنع وصول الدواء إلى البكتيريا أصلًا.
لذلك فإن إزالة الغشاء الواقي قد تجعل البكتيريا أكثر عرضة للعلاج، وقد تسمح باستخدام جرعات أقل من المضادات الحيوية، وتحد من تطور المقاومة البكتيرية مستقبلًا.
أزمة عالمية متفاقمة
تُصنف منظمة الصحة العالمية مقاومة مضادات الميكروبات ضمن أكبر عشرة تهديدات للصحة العامة عالميًا.
وتشير أحدث التقديرات العلمية إلى أن مقاومة المضادات الحيوية ترتبط بنحو 4.95 مليون وفاة سنويًا حول العالم، منها أكثر من 1.27 مليون وفاة مباشرة نتيجة العدوى المقاومة للعلاج، بينما يُتوقع أن يرتفع العبء الصحي بشكل كبير خلال العقود المقبلة إذا لم تُطوَّر وسائل علاج جديدة.
هل أصبح العلاج قريبًا؟
ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تزال في مرحلتها المعملية، ولم تُختبر بعد على البشر.
ولا تزال هناك حاجة إلى سنوات من الدراسات السريرية للتأكد من سلامة هذه التقنية وفاعليتها قبل اعتمادها كخيار علاجي في المستشفيات.
مستقبل علاج العدوى
يرى خبراء الميكروبيولوجيا أن مستقبل مكافحة مقاومة المضادات الحيوية لن يعتمد على اكتشاف مضادات جديدة فقط، بل على استهداف الأغشية الحيوية نفسها، عبر تقنيات مبتكرة تشمل المواد المضادة للأغشية الحيوية، والعلاج بالبكتيريوفاج، والهندسة النانوية، والذكاء الاصطناعي في تصميم الأدوية.
ويمثل الاكتشاف الجديد خطوة علمية مهمة في هذا الاتجاه، وقد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية أكثر كفاءة في مواجهة العدوى المزمنة والبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، التي تُعد من أخطر تحديات الطب الحديث.



