تُعدّ الولادة المبكرة أحد أخطر التحديات الصحية عالميًا؛ فسنويًا يأتي إلى العالم نحو 15 مليون طفل قبل اكتمال 37 أسبوعًا من الحمل، ويمثل ذلك السبب الأول لوفاة الأطفال دون سن الخامسة، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل حيث تقل إمكانيات الرعاية المتخصصة في الأيام الأولى من عمر الطفل. ورغم خطورة هذا الرقم، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أن جزءًا كبيرًا من هذه الوفيات يمكن تجنبه عبر تدخل بسيط، لا يحتاج إلى تقنية متقدمة أو تجهيزات باهظة: رعاية الأم الكنغر.

ما هي رعاية الأم الكنغر؟
رعاية الأم الكنغر هي أسلوب يعتمد على ملامسة جلد الطفل لجلد الأم مباشرة لفترات طويلة، مع تشجيع الرضاعة الطبيعية كجزء أساسي من العلاج. يُحمل الطفل على صدر أمه بطريقة ثابتة تشبه وضع صغير الكنغر داخل الجراب، ما يمنحه دفئًا واستقرارًا وتنظيمًا أفضل لوظائفه الحيوية. ويسهم هذا التواصل الجسدي المباشر في تحسين التنفس، وتنظيم الحرارة، وتقوية المناعة، واستقرار معدل ضربات القلب، إضافة إلى تعزيز الروابط العاطفية بين الأم وطفلها في مرحلة شديدة الحساسية.
لماذا تعتبر هذه الطريقة منقذة للحياة؟
الدراسات أثبتت أن تطبيق رعاية الأم الكنغر يحسن فرص بقاء الأطفال الخدّج وذوي الوزن المنخفض على قيد الحياة بشكل كبير، إذ تسهم في تقليل الوفيات بنسبة تتجاوز 30%، وتقلل انخفاض درجة حرارة الجسم بنسبة تقارب 70%، وتقلل العدوى الشديدة بنحو 15%. هذه النتائج المذهلة تأتي من تدخل يعتمد على الإنسان قبل التكنولوجيا، وهو ما يجعل تطبيقه ممكنًا في كل الدول، حتى الأقل تجهيزًا.
رعاية تبدأ منذ اللحظة الأولى

توصي منظمة الصحة العالمية بأن يحصل كل طفل منخفض الوزن أو مولود قبل وقته الطبيعي على رعاية الأم الكنغر فور ولادته، ما لم تكن حالته الطبية خطرة وتتطلب تدخلاً عاجلًا. ويمكن للأم أو الأب أو أحد أفراد الأسرة المشاركة في تقديم هذه الرعاية إذا لم تستطع الأم القيام بها، كما يمكن أن تُمارس في كل مراحل الرعاية داخل المستشفى، وفي المنزل بعد خروج الطفل، ما يجعلها تدخلًا يستمر أثره على المدى الطويل.
لماذا يحتاج الأطفال الخدّج إلى رعاية خاصة؟
الأطفال المبتسرون غالبًا ما تكون رئاتهم غير مكتملة، ونظام المناعة لديهم ضعيف، وقدرتهم على حفظ الحرارة محدودة. هذا يؤدي إلى مخاطر مثل صعوبة التنفس، العدوى، انخفاض الحرارة، واضطرابات القلب والدورة الدموية، وهي مشكلات قابلة للتحسن بشكل كبير عند تطبيق رعاية قريبة ومتواصلة تمنح الطفل الدفء والاستقرار.
نحو مستقبل أكثر أمانًا للمواليد
تعزز منظمة الصحة العالمية دعوة الحكومات إلى الاستثمار في وحدات رعاية حديثي الولادة، وتدريب الطواقم الطبية، وتوفير بيئة تسمح ببقاء الأم مع طفلها في غرفة واحدة. فالرعاية الإنسانية المباشرة ليست بديلًا للتجهيزات الطبية، لكنها خطوة مكملة، تُحسّن نتائج العلاج وتقلل من وفيات الأطفال الخدّج.
رسالة ختامية
الولادة المبكرة ليست مجرد حدث طبي طارئ، بل تحدٍّ يتطلب وعيًا وتدخلاً مبكرًا. وبينما قد تعجز بعض الأسر عن الوصول إلى رعاية متطورة، تظل “رعاية الأم الكنغر” واحدة من أكثر الممارسات قدرة على منح هؤلاء الأطفال فرصة حياة أفضل. إنها تقنية بسيطة… لكن تأثيرها عميق، وثمارها تمتد لسنوات.



