تقرير–حنين عبدالوهاب
منذ انطلاقه تجريبيًا في بورسعيد عام 2019، لم يكن التأمين الصحي الشامل مجرد تجربة إصلاح صحي محدودة، بل تحوّل تدريجيًا إلى نموذج متكامل لإعادة بناء منظومة الرعاية الصحية، وهو ما تعكسه بوضوح تجربة محافظات إقليم القناة، التي أصبحت اليوم أحد أبرز نماذج التطبيق الفعلي للمنظومة على أرض الواقع.
ففي إقليم يضم بورسعيد والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس، استعرضت الهيئة العامة للرعاية الصحية حصاد ما يقرب من ست سنوات من التطبيق، كاشفة عن أرقام تعكس حجم التحول في إتاحة الخدمة وجودتها وعدالتها.

65 مليون خدمة طبية… ماذا تعني هذه الأرقام؟
بحسب ما أعلنه الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية والمشرف العام على مشروع التأمين الصحي الشامل، فقد تم تقديم نحو 65 مليون خدمة طبية وعلاجية للمواطنين في محافظات إقليم القناة، من خلال 157 منشأة صحية تابعة للهيئة، في رقم غير مسبوق يعكس كثافة الاستخدام والثقة المتزايدة في المنظومة.
وتوزعت هذه الخدمات بواقع 33 مليون خدمة بمحافظة بورسعيد، و24 مليون خدمة بالإسماعيلية، و5 ملايين خدمة بالسويس، و3.2 مليون خدمة بجنوب سيناء، بما يعكس اتساع نطاق التغطية الصحية وتنوعها بين الرعاية الأولية والتخصصية والعلاجية.
استثمارات تتجاوز 27.5 مليار جنيه… الصحة كأولوية تنموية
لم يكن هذا التوسع ممكنًا دون استثمارات ضخمة، إذ تجاوزت التكلفة الاستثمارية لإقليم القناة 27.5 مليار جنيه، خُصصت لتطوير البنية التحتية الصحية، ورفع كفاءة المستشفيات، وإنشاء وتجهيز وحدات ومراكز طب الأسرة، وتطبيق منظومة التحول الرقمي.
وتكشف هذه الأرقام أن الدولة لم تتعامل مع التأمين الصحي الشامل كمشروع خدمي محدود، بل كأحد محركات التنمية البشرية، خاصة في أقاليم ذات طبيعة جغرافية وسكانية خاصة مثل جنوب سيناء.
طب الأسرة… بوابة المواطن الأولى للعلاج
أحد أهم ملامح التحول في منظومة التأمين الصحي الشامل يتمثل في إعادة الاعتبار إلى طب الأسرة باعتباره خط الدفاع الأول عن صحة المواطن. ففي إقليم القناة وحده، قدّمت 130 وحدة ومركز طب أسرة أكثر من 25 مليون خدمة، إلى جانب إجراء 4 ملايين فحص طبي شامل.
ويؤكد رئيس هيئة الرعاية الصحية أن منشآت طب الأسرة لم تعد مجرد وحدات إحالة، بل أصبحت نقطة البداية الحقيقية لمسار العلاج داخل المنظومة، من خلال الاكتشاف المبكر، والمتابعة المستمرة، وتنظيم الإحالة إلى المستويات الأعلى من الرعاية.
الجراحات الكبرى تحت مظلة التأمين… المواطن يدفع 482 جنيهًا فقط
في أحد أكثر الملفات حساسية، كشف التقرير عن إجراء 404 آلاف عملية وتدخل جراحي داخل منشآت الهيئة بإقليم القناة، بنسب نجاح تضاهي المعدلات العالمية، شملت جراحات دقيقة ومتقدمة تُجرى لأول مرة تحت مظلة التأمين الصحي الشامل.
الأهم أن المواطن، مهما بلغت تكلفة العملية — والتي قد تتجاوز في بعض الحالات مليون جنيه خارج المنظومة — لا يتحمل أكثر من 482 جنيهًا كنسبة مساهمة، في ترجمة عملية لمفهوم العدالة الصحية وتقليل الإنفاق من جيب الأسرة.

الجودة والاعتماد… من الخدمة إلى الثقة
لم تكتفِ الهيئة بزيادة عدد الخدمات، بل راهنت على الجودة كشرط أساسي للاستدامة. فقد تم اعتماد 138 منشأة طبية في إقليم القناة وفقًا لمعايير الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR)، المعترف بها دوليًا من منظمة الإسكوا (ISQua).
ويعكس هذا الاعتماد تحول الخدمة الصحية من اجتهادات فردية إلى منظومة مؤسسية تخضع للتقييم والمراجعة المستمرة، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى ثقة المواطنين.
التحول الرقمي… العمود الفقري للمنظومة
أحد أبرز أسباب كفاءة التشغيل في محافظات القناة هو التحول الرقمي الكامل، حيث تم الانتهاء من ميكنة 100% من وحدات ومراكز طب الأسرة، و95% من المستشفيات، بما ساهم في تقليل التكدس، وتسريع الخدمة، وضمان تتبع رحلة المريض داخل المنظومة.
رضا المواطنين… المؤشر الأهم
بعيدًا عن الأرقام المجردة، يبقى رضا المواطن هو المؤشر الأكثر دلالة. ووفق بيانات الهيئة، تجاوزت نسبة رضا المنتفعين عن خدمات التأمين الصحي الشامل في محافظات القناة 89%، وهي نسبة تعكس تحسنًا ملموسًا في جودة الخدمة وسهولة الحصول عليها.
نموذج قابل للتعميم
يؤكد الدكتور أحمد السبكي أن ما تحقق في إقليم القناة يمثل نموذجًا عمليًا قابلًا للتكرار في باقي محافظات الجمهورية، خاصة مع التوسع الجاري في المرحلة الثانية من المنظومة، مشددًا على أن التحول الرقمي والجودة والاستثمار في العنصر البشري هي الركائز الأساسية لنجاح التأمين الصحي الشامل.
الخلاصة:
تكشف تجربة إقليم القناة أن التأمين الصحي الشامل لم يعد وعدًا مستقبليًا، بل واقعًا صحيًا يغيّر حياة ملايين المواطنين. وبين استثمارات ضخمة، وخدمات موسعة، وجراحات كانت بعيدة المنال، تتشكل ملامح إصلاح صحي حقيقي، يضع المواطن في قلب المنظومة، لا على هامشها.
وفي إقليم بدأ منه الإصلاح، تتضح الإجابة: حين تتوافر الإرادة والتمويل والحوكمة، تصبح الصحة حقًا لا امتيازًا.



