7 ملايين مواطن يستعدون للانضمام للمنظومة.. وشراكة بين الدولة والجامعة والقطاع الخاص لإنجاح المرحلة الثانية
لم تكن الجولة الموسعة التي أجراها الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، بمحافظة المنيا مجرد زيارة ميدانية لتفقد عدد من المستشفيات والمنشآت الصحية، بل حملت رسائل استراتيجية مهمة تؤكد أن مشروع التأمين الصحي الشامل يدخل مرحلة جديدة من التوسع الجغرافي والمؤسسي، بعد نجاح تطبيقه في محافظات المرحلة الأولى.
وتكتسب محافظة المنيا أهمية استثنائية باعتبارها أولى محافظات المرحلة الثانية التي تستعد للانضمام إلى المنظومة، كما أنها واحدة من أكبر المحافظات من حيث عدد السكان، إذ يقترب عدد سكانها من 7 ملايين نسمة، ما يجعل نجاح التطبيق بها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تعميم المنظومة في المحافظات ذات الكثافة السكانية المرتفعة. وخلال اجتماع اللجنة التنسيقية للتأمين الصحي الشامل، أكد الوزير أن ما تحقق خلال المرحلة الأولى يمثل قاعدة قوية للبناء عليها، مشددًا على ضرورة الاستفادة من الدروس والخبرات السابقة لضمان انطلاقة أكثر كفاءة في المرحلة الثانية، خاصة مع التوسع في إشراك المستشفيات الجامعية والقطاع الخاص باعتبارهما شريكين رئيسيين في تقديم الخدمة الصحية.
اقرأ ايضًا: وزير الصحة يترأس اجتماع اللجنة التنسيقية لمنظومة التأمين الصحي الشامل بالمنيا
جاهزية واسعة للبنية التحتية الصحية
تعكس الأرقام حجم الاستعدادات الجارية بالمحافظة قبل التشغيل الكامل للمنظومة.
فقد تم الانتهاء من تجهيز 60 منشأة للرعاية الصحية الأولية تضم 49 وحدة صحية و11 مركزًا طبيًا، لخدمة أكثر من 1.28 مليون مواطن في المرحلة الأولى من التشغيل، فيما حصلت 29 منشأة بالفعل على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية.
كما يجري تجهيز 10 مستشفيات تمهيدًا لانضمامها إلى منظومة هيئة الرعاية الصحية، إلى جانب استكمال التحول الرقمي في عدد من المنشآت الصحية، بما يضمن تطبيق منظومة إلكترونية متكاملة لإدارة الخدمات الصحية وملفات المرضى.
وتؤكد هذه المؤشرات أن الدولة لا تستهدف مجرد إضافة محافظة جديدة إلى المنظومة، بل تعمل على بناء نموذج متكامل للرعاية الصحية يعتمد على الجودة والاعتماد والتحول الرقمي في آن واحد.

طب الأسرة في قلب المنظومة
أظهرت الجولة اهتمامًا واضحًا بتعزيز نموذج طب الأسرة باعتباره حجر الأساس في التأمين الصحي الشامل.
فخلال تفقد مركز طب أسرة أتليدم ومركز التدريب والمحاكاة، شدد وزير الصحة على أن وحدات الرعاية الأولية يجب أن تتحول إلى البوابة الرئيسية لتلقي الخدمة الصحية، موضحًا أن هذا النموذج قادر على تلبية نحو 80% من الاحتياجات الصحية للمواطنين دون الحاجة إلى التوجه للمستشفيات.
كما وجه بالتوسع في تدريب الأطباء على تخصص طب الأسرة وتوفير حوافز مالية جاذبة للعاملين بالمنظومة، في خطوة تستهدف بناء كوادر بشرية قادرة على إدارة واحدة من أكبر مشروعات الإصلاح الصحي في مصر.
المستشفيات الجامعية.. شريك أساسي في المرحلة الثانية
من أبرز الرسائل التي حملتها الجولة التأكيد على الدور المحوري للمستشفيات الجامعية في دعم المنظومة الجديدة.
فجامعة المنيا تمتلك 9 مستشفيات جامعية بطاقة استيعابية تصل إلى 1700 سرير، منها 4 مستشفيات معتمدة بالفعل.
كما يضم مستشفى الثلاثي الجامعي وحده نحو 1900 سرير ويستقبل 3500 متردد يوميًا، بينما يقدم قرابة مليوني خدمة طبية سنويًا.
وتعكس هذه القدرات الضخمة أهمية دمج المستشفيات الجامعية داخل منظومة التأمين الصحي الشامل، بما يضمن توفير الخدمات التخصصية والدقيقة للمواطنين داخل محافظاتهم دون الحاجة للانتقال إلى القاهرة أو المحافظات الكبرى.
استثمارات صحية ضخمة في جنوب الصعيد
وكشفت الجولة عن حجم الاستثمارات التي تم ضخها في البنية التحتية الصحية بمحافظة المنيا خلال السنوات الأخيرة.
فمشروع مستشفى أبو قرقاص المركزي الجديد وصل إلى نسبة تنفيذ بلغت 90%، بطاقة 200 سرير، ومن المتوقع أن يخدم أكثر من 680 ألف مواطن.
كما يواصل مركز أورام المنيا أعمال التطوير والتوسعات، حيث انتهت المرحلة الأولى بالكامل ووصلت المرحلة الثانية إلى نسبة إنجاز بلغت 80%.
وفي مستشفى المنيا للتأمين الصحي، تستمر جهود التوسع في الخدمات التخصصية الدقيقة مثل القسطرة القلبية والأشعة التداخلية وزراعة القوقعة وجراحات العمود الفقري والأورام، مع خطط لإضافة خدمات القلب المفتوح وجراحات المخ والأعصاب والرنين المغناطيسي.
التحول الرقمي والجودة.. ركيزتان أساسيتان
اللافت في جميع محطات الجولة أن التركيز لم يكن فقط على المباني والتجهيزات، بل امتد إلى الجودة والحوكمة والتحول الرقمي.
فالتسجيل الإلكتروني للمواطنين، والملف الطبي الموحد، وتدريب الكوادر على التطبيقات الرقمية، واعتماد المنشآت الصحية وفق معايير الجودة الوطنية، كلها عناصر تؤكد أن الدولة تسعى لبناء نظام صحي حديث وليس مجرد توسيع نطاق الخدمات التقليدية.

بداية جديدة للتأمين الصحي الشامل
تكشف جولة وزير الصحة بالمنيا أن المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل لن تكون مجرد امتداد جغرافي للمرحلة الأولى، بل تمثل نقلة نوعية تستهدف دمج الصعيد بشكل أكبر داخل منظومة الرعاية الصحية الحديثة.
ومع جاهزية عشرات المنشآت الصحية، وتكامل دور المستشفيات الجامعية، والتوسع في طب الأسرة والتحول الرقمي، تبدو المنيا اليوم على أعتاب تجربة قد تشكل نموذجًا لتطبيق المنظومة في المحافظات الكبرى ذات الكثافة السكانية المرتفعة، تمهيدًا للوصول إلى الهدف الأهم: تغطية صحية شاملة وعادلة لكل مواطن مصري أينما كان.



