منظمة الصحة العالمية: أكثر من 1.6 مليون وفاة مبكرة سنويًا بين غير المدخنين.. ومعهد السرطان الأمريكي: يرفع خطر سرطان الرئة وأمراض القلب والسكتة الدماغية
قد لا تكون السيجارة في يدك، وقد لا تكون قد دخنت يومًا في حياتك، لكن مجرد جلوسك بصورة متكررة إلى جوار شخص يدخن يمكن أن يجعلك تدفع جزءًا من الثمن الصحي للتدخين السلبي
هذه ليست مبالغة توعوية. فبحسب أحدث صحيفة حقائق لمنظمة الصحة العالمية، الصادرة في يونيو 2026، يتسبب التعرض للتدخين السلبي في وفاة أكثر من 1.6 مليون شخص من غير المدخنين سنويًا، بينما تؤكد المنظمة أنه لا يوجد مستوى آمن من التعرض لدخان التبغ غير المباشر.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة التي قد تبدو للكثيرين مجرد «دخان عابر». فالمعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة يؤكد أن التدخين السلبي مادة مسرطنة معروفة للإنسان، وأن التعرض له يرتبط بسرطان الرئة وأمراض القلب والسكتة الدماغية، بينما يتحمل الأطفال والحوامل جانبًا آخر من المخاطر.
القضية إذن لا تتعلق بالمدخن وحده؛ فهناك شخص آخر يجلس في المنزل، وطفل يركب السيارة، وزوجة حامل، وزميل يعمل لساعات داخل مكان مغلق، وجميعهم قد يتعرضون لدخان لم يختاروا استنشاقه.
ما التدخين السلبي؟
التدخين السلبي هو تعرض غير المدخن لدخان التبغ الموجود في البيئة المحيطة. وهو مزيج من الدخان المنبعث من الطرف المشتعل للسيجارة أو منتج التبغ، والدخان الذي يزفره المدخن بعد استنشاقه.
وتزداد المشكلة وضوحًا داخل الأماكن المغلقة؛ فالدخان لا يبقى محصورًا حول الشخص الذي يحمل السيجارة، وإنما يلوث الهواء المحيط ويعرض الموجودين فيه لمكوناته الضارة.
ومن هنا تحسم منظمة الصحة العالمية واحدة من أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا: لا يوجد مستوى آمن للتعرض للتدخين السلبي. حتى المستويات المنخفضة من التعرض ليست خالية من الضرر.
1.6 مليون وفاة.. الثمن يدفعه غير المدخنين
الرقم الأكثر صدمة يأتي من منظمة الصحة العالمية. ففي أحدث تحديث لها، تقدر المنظمة أن التبغ يقتل أكثر من 7 ملايين إنسان سنويًا، بينهم أكثر من 1.6 مليون شخص غير مدخن يموتون مبكرًا نتيجة تعرضهم لدخان التبغ غير المباشر.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض تقارير المنظمة الأقدم تورد رقمًا يقارب 1.3 مليون وفاة سنويًا؛ ولذلك قد تظهر أرقام مختلفة عند مراجعة المصادر بحسب سنة البيانات والتقديرات المستخدمة. أما الرقم الأحدث المنشور في صحيفة حقائق المنظمة في يونيو 2026 فهو أكثر من 1.6 مليون وفاة مبكرة سنويًا.
ولا تقتصر الخسائر على الوفاة. فقد خلص تحليل عالمي حديث لبيانات دراسة العبء العالمي للمرض إلى أن التعرض للتدخين السلبي ارتبط بنحو 34.9 مليون سنة حياة صحية مفقودة بسبب الوفاة المبكرة أو العجز (DALYs) في عام 2021.
اقرأ ايضًا: دراسة ترصد تصاعد مشاهد التدخين في الدراما الرمضانية
القلب يتلقى الضربة سريعًا
ربما يرتبط التدخين في أذهان كثيرين بالرئة والسرطان، لكن القلب والأوعية الدموية من أبرز ضحاياه أيضًا.
المعهد الوطني للسرطان الأمريكي يؤكد أن التعرض للتدخين السلبي له تأثيرات ضارة فورية على القلب والأوعية الدموية، وأنه يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب لدى غير المدخنين بنحو 25 إلى 30%.
كما يرتبط التعرض بزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنحو 20 إلى 30%. وفي الولايات المتحدة وحدها، تشير التقديرات التي يستشهد بها المعهد إلى أن التدخين السلبي يتسبب في قرابة 34 ألف وفاة بأمراض القلب سنويًا.
وهذا يعني أن المسألة لا تحتاج بالضرورة إلى سنوات حتى يبدأ التأثير؛ فاستنشاق دخان الآخرين يؤثر في الجهاز الدوري والأوعية، وهو ما يجعل حماية غير المدخنين من التعرض قضية تتجاوز مجرد الراحة أو تجنب رائحة السجائر.

سرطان الرئة.. حتى لمن لم يشعل سيجارة
الأكثر إثارة للقلق أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون مدخنًا حتى يتعرض لخطر سرطان الرئة المرتبط بالتبغ.
المعهد الوطني للسرطان الأمريكي يؤكد أن التدخين السلبي مسبب معروف للسرطان لدى الإنسان، وأن استنشاقه يسبب سرطان الرئة لدى البالغين غير المدخنين.
وتشير بياناته إلى أن العيش مع شخص مدخن يمكن أن يرفع احتمال إصابة غير المدخن بسرطان الرئة بنحو 20 إلى 30%.
وفي الولايات المتحدة، يُقدَّر أن التعرض للتدخين السلبي يتسبب في أكثر من 7300 وفاة بسرطان الرئة سنويًا بين البالغين غير المدخنين.
وبذلك يصبح السؤال مختلفًا: عندما يدخن شخص داخل المنزل، فهل تظل السيجارة قرارًا شخصيًا بالفعل إذا كان دخانها يرفع مخاطر إصابة أشخاص آخرين بالمرض؟
الأطفال.. ضحايا لا يملكون الابتعاد
الخطر يصبح أكثر حساسية عندما يكون الموجود في الغرفة طفلًا.
فالأطفال لا يستطيعون في كثير من الأحيان اختيار البيئة التي يعيشون فيها أو مطالبة الأب أو الأم أو أحد أفراد الأسرة بالتوقف عن التدخين، كما أن أجسامهم وأجهزتهم التنفسية لا تزال في طور النمو.
ويشير المعهد الوطني للسرطان إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للتدخين السلبي ترتفع لديهم مخاطر متلازمة موت الرضع المفاجئ، والتهابات الأذن، ونزلات البرد، والالتهاب الرئوي والتهاب الشعب الهوائية.
كما يمكن أن يزيد التدخين السلبي من تكرار وشدة نوبات الربو لدى الأطفال المصابين به، وأن يؤدي إلى إبطاء نمو الرئتين وظهور السعال والصفير وضيق التنفس.
وبالتالي فإن تدخين سيجارة داخل سيارة يوجد بها طفل، أو داخل غرفة يجلس فيها لساعات، ليس مجرد سلوك يتعلق بالمدخن؛ بل تعرض صحي مباشر للطفل.
الحامل والجنين.. الدخان يصل إلى ما هو أبعد من الرئتين
ولا تتوقف دائرة الخطر عند الأطفال.
التعرض لدخان التبغ أثناء الحمل ارتبط بمضاعفات الحمل ونتائج سلبية للمواليد، من بينها انخفاض وزن الطفل عند الولادة والولادة المبكرة وتأثر نمو الرئتين، بحسب المعهد الوطني للسرطان.
وهذا يجعل المنزل الخالي من التدخين جزءًا من حماية الحامل والجنين، وليس مجرد إجراء لتحسين جودة الهواء.
أين تذهب الوفيات؟
دراسة حديثة حللت عبء الأمراض المنسوبة إلى التدخين السلبي في 204 دول وأقاليم، اعتمادًا على بيانات دراسة العبء العالمي للمرض 2021، قدرت عدد الوفيات المرتبطة بالتعرض بنحو 1.29 مليون وفاة في ذلك العام.
واللافت هو توزيع الأسباب.
جاء مرض القلب الإقفاري في المقدمة، مستحوذًا على نحو 29.7% من الوفيات المرتبطة بالتدخين السلبي، يليه مرض الانسداد الرئوي المزمن بنحو 19%، ثم التهابات الجهاز التنفسي السفلي بنحو 10.9%.
وتكشف هذه الأرقام أن صورة التدخين السلبي أكبر بكثير من سرطان الرئة وحده؛ فالقلب والجهاز التنفسي والأوعية الدموية كلها تدخل في دائرة الضرر.
«أنا بفتح الشباك».. هل يكفي؟
من أكثر المشاهد شيوعًا أن يشعل شخص سيجارته داخل السيارة ثم يفتح النافذة، أو يدخن في إحدى غرف المنزل معتقدًا أن إغلاق الباب أو تشغيل التهوية كافٍ لحماية الآخرين.
لكن المبدأ الصحي الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية أكثر وضوحًا: لا يوجد مستوى آمن للتعرض لدخان التبغ غير المباشر. والحماية الفعالة تقوم على توفير بيئات خالية من دخان التبغ، وليس مجرد محاولة تقليل الرائحة.
وهنا تكمن أهمية التفريق بين «عدم رؤية الدخان» و«عدم التعرض له». اختفاء السحابة المرئية أو الرائحة لا يعني تلقائيًا أن البيئة أصبحت خالية من الملوثات الناتجة عن التدخين.
عندما تصبح السيجارة مشكلة تخص الآخرين
لسنوات طويلة جرى التعامل مع التدخين باعتباره قرارًا فرديًا: المدخن يعرف مخاطره ويتحمل نتائج اختياره.
لكن التدخين السلبي غيّر هذه المعادلة.
فالطفل لم يختر التدخين.
والزوجة غير المدخنة لم تختره.
وزميل العمل لم يختره.
والشخص الجالس في مكان مغلق لم يختر أن تدخل مكونات دخان التبغ إلى رئتيه.
ولهذا أصبحت حماية الناس من دخان التبغ جزءًا أساسيًا من سياسات الصحة العامة عالميًا. ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية عن وباء التبغ لعام 2025 إلى أن 6.1 مليار شخص أصبحوا مشمولين بواحد على الأقل من تدابير MPOWER لمكافحة التبغ المطبقة على مستوى أفضل الممارسات، لكن المنظمة ما زالت تحذر من فجوات كبيرة في الحماية.
أرقام لا يجب المرور عليها سريعًا
الصورة النهائية ثقيلة: أكثر من 1.6 مليون غير مدخن يموتون مبكرًا سنويًا بسبب التدخين السلبي وفق أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية؛ ارتفاع خطر أمراض القلب بنحو 25–30%، وخطر السكتة الدماغية بنحو 20–30% لدى المتعرضين؛ وأكثر من 7300 وفاة بسرطان الرئة ونحو 34 ألف وفاة بأمراض القلب سنويًا في الولايات المتحدة مرتبطة بالتعرض للتدخين السلبي وفق البيانات التي يستند إليها المعهد الوطني للسرطان الأمريكي.
الأرقام مختلفة في نطاقها الجغرافي وسنوات تقديرها، لكنها تقود إلى النتيجة نفسها: التدخين السلبي ليس إزعاجًا ولا مجرد رائحة دخان، وإنما عامل خطر صحي مثبت.
وربما تكون الرسالة الأكثر أهمية أبسط من كل هذه الإحصاءات: إذا كان المدخن قد اختار السيجارة، فإن الموجودين حوله لم يختاروها.
ولهذا فإن حماية الأسرة تبدأ بقاعدة واضحة: لا تدخين داخل المنزل، ولا داخل السيارة، ولا في الأماكن المغلقة المشتركة.
فالسيجارة التي يحملها شخص واحد قد يصل أثرها إلى رئتي وقلب شخص آخر لم يدخن يومًا في حياته.
المصادر الأساسية: منظمة الصحة العالمية – Tobacco and nicotine، والمعهد الوطني للسرطان الأمريكي – Secondhand Smoke and Cancer، و.



