الجذام يعود إلى الواجهة في فلوريدا.. ارتفاع غير معتاد للإصابات

36 إصابة خلال 2025 و19 حالة حتى أغسطس 2026.. وخبراء: المرض لا ينتقل بسهولة بين البشر ويمكن الشفاء منه إذا اكتُشف مبكرًا

مرض ارتبط لقرون بالخوف والعزلة والوصمة الاجتماعية، وظن كثيرون أنه أصبح جزءًا من كتب التاريخ أكثر منه تهديدًا صحيًا معاصرًا. لكن الجذام، أو داء هانسن، عاد إلى واجهة الاهتمام في الولايات المتحدة بعد تسجيل ولاية فلوريدا ارتفاعًا لافتًا في عدد الحالات خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد الإصابات التي يُعتقد أنها اكتُسبت محليًا داخل الولاية.

البيانات الحديثة الصادرة عن جهات صحية وأكاديمية أمريكية تشير إلى أن فلوريدا سجلت 36 حالة خلال عام 2025، وهو مستوى قياسي في قاعدة البيانات الحديثة للولاية، بينما وصل عدد الحالات المسجلة خلال 2026 إلى 19 حالة حتى أوائل أغسطس. وفي المقابل، سجلت الولايات المتحدة 174 حالة جديدة خلال 2025، وفق البرنامج الوطني الأمريكي لداء هانسن.

لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تعني أن الولايات المتحدة تواجه وباءً واسعًا أو أن الجذام أصبح مرضًا سهل الانتقال بين الناس. فالمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها CDC تؤكد أن المرض لا ينتقل بسهولة من شخص إلى آخر، وأن غالبية البشر لديهم مقاومة طبيعية للبكتيريا المسببة له.

اقرأ ايضًا: «الصحة» لجنة عليا للقضاء على مرض الجذام

من 8 حالات إلى 36.. ماذا يحدث في فلوريدا؟

تظهر بيانات فلوريدا اتجاهًا صاعدًا خلال السنوات الأخيرة.

فقد سجلت الولاية 8 حالات فقط في 2022، ثم 23 حالة في 2023، و20 حالة في 2024، قبل أن ترتفع إلى 36 حالة في 2025. وحتى منتصف يوليو 2026 كانت الولاية قد سجلت 17 حالة، قبل أن يصل العدد لاحقًا إلى 19 وفق بيانات منشورة في أغسطس.

وتكتسب الأرقام أهمية إضافية لأن جزءًا كبيرًا من إصابات 2025 لم يكن مرتبطًا بالسفر إلى دول ينتشر فيها المرض.

وتشير بيانات وزارة الصحة في فلوريدا، التي أوردتها مصادر أمريكية، إلى أن نحو 27 من بين 36 حالة في 2025 يُعتقد أنها اكتُسبت داخل الولاية نفسها.

وهذا ما دفع الباحثين إلى محاولة فهم مصادر العدوى المحلية بدل التعامل مع الحالات باعتبارها مجرد إصابات واردة من الخارج.

«المدرع ذو التسعة أحزمة» يدخل دائرة الاشتباه

أحد أكثر العناصر إثارة في القصة هو حيوان المدرع ذو التسعة أحزمة Nine-banded armadillo، المنتشر في جنوب الولايات المتحدة وفلوريدا.

فالـCDC يؤكد أن بعض حيوانات المدرع في جنوب الولايات المتحدة قد تكون مصابة طبيعيًا بالبكتيريا المسببة للجذام، وأن انتقال العدوى منها إلى الإنسان ممكن، وإن ظل خطره منخفضًا.

ويقول باحثون بجامعة فلوريدا إن هذا الحيوان يُعد واحدًا من أهم الخزانات الحيوانية المعروفة لبكتيريا Mycobacterium leprae في المنطقة، وإن بعض الحالات المحلية ارتبطت بالتعرض للمدرع أو للتربة التي يعيش ويحفر فيها.

ويشير الدكتور نورمان بيتي، أستاذ مشارك للطب واختصاصي الأمراض المعدية بجامعة فلوريدا، إلى أن الحالات التي يجري رصدها في الولاية تجعل المرض أحد الملفات المعدية التي تحتاج إلى مزيد من البحث، خصوصًا لفهم كيفية انتقال العدوى بيئيًا ولماذا يصاب بعض الأشخاص بينما لا تظهر أي أعراض على الأغلبية.

لكن وجود المدرع في البيئة لا يعني أن مجرد رؤيته يؤدي إلى العدوى.

فالـCDC يوضح أن معظم الأشخاص الذين يتعاملون مع هذه الحيوانات لن يصابوا بالجذام، وأن الخطر بشكل عام منخفض.

الجذام يعود إلى الواجهة في فلوريدا.. ارتفاع غير معتاد للإصابات

هل التربة نفسها قد تحمل العدوى؟

هذه هي النقطة التي ما زالت تخضع للبحث.

يرى فريق جامعة فلوريدا أن بعض المرضى الذين اكتسبوا المرض محليًا ربما تعرضوا لتربة ملوثة بالبكتيريا في المناطق التي تعيش فيها حيوانات المدرع وتحفر جحورها، خاصة أثناء أعمال الزراعة أو التعامل المباشر مع التراب.

لكن هذه الفرضية لا تزال مجالًا للدراسة، ولذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها آلية انتقال محسومة لكل الحالات.

والأدق علميًا هو القول إن المدرع يمثل خزانًا معروفًا للبكتيريا، بينما يجري الباحثون دراسة الدور المحتمل للتربة والبيئة في انتقال العدوى المحلية.

مرض بطيء للغاية.. وقد يظهر بعد 20 عامًا

الجذام مرض مزمن تسببه أساسًا بكتيريا Mycobacterium leprae، وهي من أبطأ البكتيريا نموًا.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن أعراض المرض قد تظهر خلال سنة من الإصابة، لكنها قد تتأخر 20 عامًا أو أكثر في بعض الحالات.

وهذه الفترة الطويلة تجعل تتبع مصدر العدوى أمرًا معقدًا للغاية.

فالمريض قد لا يتذكر أين كان أو ما الذي تعرض له قبل سنوات طويلة، وهو ما يفسر صعوبة تحديد مصدر كل حالة جديدة.

95% من البشر لديهم مقاومة طبيعية

من أكثر الحقائق التي تساعد على وضع الخطر في حجمه الحقيقي أن المرض ليس شديد العدوى.

فالـCDC يشير إلى أن نحو 95% من البشر لا يصابون بالجذام حتى إذا تعرضوا للبكتيريا، بفضل قدرة جهازهم المناعي الطبيعية على مقاومتها.

أما انتقال العدوى بين البشر فيُعتقد أنه يحدث أساسًا عبر الرذاذ الصادر من الأنف أو الفم، لكن ذلك يحتاج عادة إلى مخالطة وثيقة ومتكررة وممتدة لشخص مصاب لم يبدأ العلاج.

ولا ينتقل الجذام عن طريق المصافحة أو العناق أو مشاركة الطعام أو الجلوس بجوار شخص مصاب.

كما أن المريض يتوقف عن نقل العدوى بعد بدء العلاج الفعال، وفق منظمة الصحة العالمية.

البقع الجلدية التي لا تشعر بها.. علامة يجب الانتباه لها

الجذام لا يبدأ عادة بصورة درامية.

قد تكون البداية مجرد بقعة جلدية أفتح أو أغمق أو أكثر احمرارًا من الجلد المحيط بها.

لكن العلامة الأكثر أهمية هي أن تكون هذه البقعة مصحوبة بانخفاض أو فقدان الإحساس.

ومع تطور المرض، قد تتأثر الأعصاب الطرفية، ما يؤدي إلى تنميل أو ضعف في العضلات أو فقدان الإحساس في اليدين والقدمين.

وفي الحالات المتقدمة غير المعالجة قد تحدث إصابات دائمة بالأعصاب والجلد والعينين، وقد يصل الأمر إلى تشوهات أو إعاقة.

ولهذا فإن اجتماع آفة جلدية غير معتادة مع فقدان الإحساس فيها يمثل علامة تستحق التقييم الطبي، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعيشون في مناطق تسجل حالات محلية أو لديهم تاريخ تعرض محتمل.

كيف يتم التشخيص؟

يعتمد التشخيص أساسًا على الفحص السريري.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى ثلاث علامات رئيسية يعتمد عليها الأطباء: فقدان واضح للإحساس في بقعة جلدية شاحبة أو حمراء، أو تضخم أحد الأعصاب الطرفية مع فقدان الإحساس أو ضعف العضلات، أو الكشف المجهري عن البكتيريا في عينة جلدية.

وفي الولايات المتحدة قد يلجأ الأطباء إلى خزعة من الجلد أو الأعصاب لتأكيد التشخيص واستبعاد أمراض أخرى قد تسبب أعراضًا مشابهة.

ندرة المرض نفسها تمثل أحد أسباب التأخر في التشخيص، لأن كثيرًا من الأطباء لا يرونه بصورة متكررة في ممارستهم اليومية.

الخبر الجيد.. الجذام يمكن علاجه والشفاء منه

رغم الصورة التاريخية القاتمة للمرض، فإن الطب الحديث غير المعادلة تمامًا.

الجذام مرض قابل للشفاء.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بعلاج متعدد الأدوية يتكون من دابسون وريفامبيسين وكلوفازيمين، مع اختلاف مدة العلاج وفق نوع المرض وشدته، ويمكن للتشخيص المبكر والعلاج السريع أن يمنعا كثيرًا من المضاعفات والإعاقات الدائمة.

كما توفر منظمة الصحة العالمية العلاج المتعدد مجانًا في الدول التي تحتاج إليه ضمن برامج مكافحة المرض.

المرض ما زال موجودًا عالميًا

قد يبدو الجذام للبعض مرضًا انتهى منذ قرون، لكن الأرقام العالمية تقول غير ذلك.

فوفق منظمة الصحة العالمية، أبلغ 188 بلدًا ومنطقة وإقليمًا عن بيانات الجذام في 2024، مع تسجيل 172,717 حالة جديدة حول العالم.

ومن بين هذه الحالات كان نحو 9,397 طفلًا دون 15 عامًا، بينما سُجلت آلاف الحالات التي وصلت بالفعل إلى درجات متقدمة من الإعاقة عند التشخيص.

وتتركز أكبر أعداد الإصابات في جنوب شرق آسيا وبعض مناطق أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما تسجل الولايات المتحدة أعدادًا محدودة سنويًا مقارنة بالحجم العالمي.

لماذا لا ينبغي استخدام كلمة «وباء»؟

رغم ارتفاع الحالات في فلوريدا، لا يوجد ما يدعم وصف الوضع الحالي بأنه وباء واسع أو انفجار في انتقال العدوى بين البشر.

فالعدد الإجمالي ما يزال صغيرًا للغاية مقارنة بعدد سكان الولاية، والمرض لا ينتقل بسهولة، كما أن العلماء أنفسهم يحذرون من إثارة الذعر.

والأدق هو أن فلوريدا تشهد اتجاهًا تصاعديًا غير معتاد لمرض نادر، مع ارتفاع نسبة الحالات المكتسبة محليًا، ما يستدعي مراقبة وبائية وبحثًا أكبر في مصادر العدوى.

كيف يحمي السكان أنفسهم؟

بالنسبة لسكان الولايات الجنوبية التي توجد فيها حيوانات المدرع، ينصح الخبراء بتجنب لمس هذه الحيوانات أو التعامل معها أو صيدها أو أكلها.

كما يُفضل استخدام القفازات عند التعامل مع التربة في الأماكن التي توجد بها جحور للمدرع، خاصة في حال وجود جروح مفتوحة بالجلد.

لكن لا توجد توصيات بتجنب السفر إلى فلوريدا أو عزل الأشخاص المصابين أو الخوف من المخالطة اليومية العادية.

فالرسالة الأساسية للسلطات الصحية واضحة: الوعي أهم من الذعر.

مرض قديم.. لكن الدرس حديث

عودة الجذام إلى دائرة النقاش في فلوريدا لا تعني عودة عصور «مستعمرات الجذام» أو العزل القسري الذي عاشه المرضى تاريخيًا.

فالعلم اليوم يعرف أن المرض ضعيف الانتقال نسبيًا، وأن غالبية البشر محصنون طبيعيًا ضده، وأن العلاج قادر على القضاء على العدوى عند اكتشافها.

لكن ما تكشفه فلوريدا هو درس آخر أكثر حداثة: أن بعض الأمراض التي نظن أنها أصبحت جزءًا من الماضي قد تبقى كامنة في البيئة أو الحيوانات، ثم تعود للظهور في ظروف معينة.

ولهذا فإن القضية ليست في الخوف من «مرض عمره آلاف السنين»، بقدر ما هي في فهم كيفية انتقاله اليوم، واكتشافه مبكرًا، ومنع الوصمة الاجتماعية التي ظلت لقرون أخطر من المرض نفسه.

والسؤال الذي يحاول الباحثون الإجابة عنه الآن ليس فقط: لماذا ترتفع حالات الجذام في فلوريدا؟

بل أيضًا: ما الدور الحقيقي للحيوان والبيئة والتربة في استمرار انتقال مرض ظن العالم أنه بات على هامش التاريخ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top