“الحوض المرصود”… حين ينتقل التاريخ إلى المستقبل

من قرار حكومي إلى إعادة إحياء أحد أقدم مستشفيات مصر التخصصية

تقرير: حنين عبدالوهاب

في اجتماع رسمي ترأسه الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أعلن عن نقل تبعية مستشفى القاهرة للأمراض الجلدية والتناسلية “الحوض المرصود” إلى الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، في خطوة إدارية تحمل في ظاهرها تنظيمًا مؤسسيًا، لكنها في عمقها تمثل تحولًا تاريخيًا في مسار واحد من أعرق الصروح الطبية في مصر.

القرار، الذي جاء ضمن حزمة إجراءات لإعادة تنظيم وتطوير منظومة المستشفيات التعليمية، يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة تاريخ مستشفى لم يكن مجرد مبنى علاجي، بل شاهدًا حيًا على تطور الطب الحديث في مصر، ومرآة لتحولات المجتمع والصحة العامة عبر أكثر من قرن.

جذور تعود إلى القرن التاسع عشر

يُعد مستشفى الحوض المرصود من أقدم المستشفيات التخصصية في مصر، إذ يعود تأسيسه إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في زمن كانت فيه القاهرة تخطو خطواتها الأولى نحو بناء منظومة صحية حديثة على النمط الأوروبي.

في تلك الحقبة، لم تكن الأمراض الجلدية والتناسلية مجرد تخصص طبي، بل قضية صحة عامة مرتبطة بالمدن المكتظة، والعمالة، والجيش، وحركة التجارة. وجاء إنشاء المستشفى استجابة مباشرة لتفشي أمراض كانت تمثل تهديدًا صحيًا واجتماعيًا، مثل الجذام، الزهري، وأمراض الجلد المعدية، في وقت لم تكن فيه المضادات الحيوية قد عُرفت بعد.

مدرسة طبية قبل أن يكون مستشفى

على مدار عقود طويلة، لم يقتصر دور «الحوض المرصود» على استقبال المرضى، بل تحوّل تدريجيًا إلى مدرسة علمية في طب الجلدية والتناسلية. داخل جدرانه، تخرّجت أجيال من الأطباء الذين أسسوا لاحقًا أقسام الجلدية في الجامعات والمستشفيات الكبرى.

وكان المستشفى، في فترات عديدة، المرجع القومي لعلاج الحالات المعقدة والنادرة، ومركزًا لتجميع الخبرات السريرية، وتوثيق الأنماط المرضية المرتبطة بالمناخ المصري والبيئة المحلية، ما جعله حجر أساس في بناء المعرفة الطبية الوطنية في هذا التخصص.

بين الازدهار والتراجع… تحولات الزمن

مع توسّع الدولة في إنشاء مستشفيات عامة وجامعية جديدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تراجع الدور المركزي لبعض المستشفيات التاريخية، وكان «الحوض المرصود» من بينها. ورغم استمراره في تقديم الخدمة، إلا أن تغير أولويات الإنفاق الصحي، وضغط التكدس، وتقادم البنية التحتية، أثّرت تدريجيًا على قدرته على مواكبة التطور السريع في تقنيات التشخيص والعلاج.

ومع ذلك، ظل المستشفى محتفظًا بقيمته الرمزية والعلمية، وبسمعته لدى المرضى، خاصة من الفئات الأكثر احتياجًا، باعتباره ملاذًا علاجيًا متخصصًا ومتاحًا.

قرار النقل… ماذا يعني عمليًا؟

نقل تبعية «الحوض المرصود» إلى الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية لا يُعد مجرد تغيير إداري، بل إعادة تموضع استراتيجي. فالهيئة تُعد الذراع التعليمية والتدريبية لوزارة الصحة، والمسؤولة عن ربط الخدمة العلاجية بالتعليم الطبي المستمر.

هذا النقل يفتح المجال أمام:

       •    دمج المستشفى في منظومة التدريب الإكلينيكي للأطباء.

       •    إعادة إحياء دوره البحثي والعلمي.

       •    تحديث نظم التشغيل والإدارة.

       •    رفع كفاءة البنية التحتية والتجهيزات الطبية.

       •    استعادة مكانته كمركز مرجعي تعليمي وعلاجي.

الحفاظ على التاريخ… شرط التطوير

أحد التحديات الكبرى في التعامل مع المستشفيات العريقة هو التوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية. فـ«الحوض المرصود» ليس مجرد منشأة صحية، بل جزء من ذاكرة الطب المصري، وأي عملية تحديث ناجحة يجب أن تحافظ على هذا البعد التاريخي، لا أن تذوبه في نمط حديث بلا روح.

وتشير تجارب دولية عديدة إلى أن إعادة توظيف المستشفيات التاريخية داخل منظومات تعليمية متطورة يُعد أحد أنجح نماذج التطوير الصحي، حين يُنظر إلى التاريخ باعتباره أصلًا يُستثمر، لا عبئًا يُزال.

من الماضي إلى المستقبل

يمثل قرار نقل تبعية مستشفى “الحوض المرصود” لحظة فارقة في تاريخه، وفرصة حقيقية لإعادة إدماجه في قلب المنظومة الصحية والتعليمية الحديثة. فالمستشفى الذي وُلد لمواجهة أوبئة القرن التاسع عشر، يمكنه اليوم أن يكون منصة لتدريب أطباء القرن الحادي والعشرين.

حكاية الاسم… من “تابوت فرعوني” إلى “حي” ثم إلى “مستشفى”

يرتبط اسم “الحوض المرصود” بوجود تابوت فرعوني من الجرانيت الأسود أُعيد استخدامه كحوض مياه قرب أحد المساجد بالقاهرة القديمة، وكان المارة يتزودون منه بالماء. ومع مرور الزمن، نسجت الذاكرة الشعبية حوله حكايات عن قدرته على تخفيف وجع العشق والفراق، في سياق اعتقاد قديم بقوى الهيروغليفية وتأثيرها الرمزي.

وخلال الحملة الفرنسية، جرى توثيق التابوت عام 1798، ثم خرج من مصر عقب هزيمة الفرنسيين عام 1801 ضمن الآثار التي آلت إلى بريطانيا، ليستقر لاحقًا في المتحف البريطاني. وبقي الاسم حيًا في القاهرة، فانتقل من الحوض إلى الحي، ثم إلى المستشفى الذي حمل الاسم نفسه، شاهدًا على تداخل التاريخ بالمكان والذاكرة الشعبية.وفي لحظة فارقة من تاريخ القاهرة الحديثة، سجّل علماء الحملة الفرنسية وجود التابوت عام 1798، ثم جرى جمعه ضمن الآثار التي خرجت من مصر عقب استسلام الفرنسيين عام 1801، لينتهي به المطاف في لندن عام 1802، بينما ظل الاسم حيًا في القاهرة؛ أولًا كعلامة مكانية للمنطقة، ثم كهوية لمؤسسة علاجية عريقة حملت الاسم ذاته: مستشفى “الحوض المرصود” 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top