بعد ثلاث سنوات من اندلاع النزاع في السودان، تتكشف ملامح واحدة من أعقد الأزمات الصحية والإنسانية في العالم، حيث حذرت منظمة الصحة العالمية من تدهور غير مسبوق في أوضاع الرعاية الصحية، في ظل استمرار القتال واتساع رقعة المعاناة الإنسانية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 34 مليون شخص باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، من بينهم أكثر من 21 مليونًا يحتاجون إلى خدمات صحية عاجلة، في وقت يعاني فيه ما يزيد على 4 ملايين شخص من سوء التغذية الحاد، وهو ما يضعهم في دائرة الخطر المباشر للإصابة بالأمراض والمضاعفات القاتلة. وفي ظل هذه الأوضاع، تتسارع وتيرة انتشار الأوبئة في عدد من الولايات، حيث تم تسجيل حالات إصابة بأمراض مثل الملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي، وسط تراجع حاد في قدرة النظام الصحي على الاستجابة.
الأزمة لم تتوقف عند نقص الخدمات، بل امتدت إلى استهداف مباشر للبنية الصحية، إذ خرج نحو 37% من المرافق الطبية عن الخدمة نتيجة التدمير أو التوقف الجزئي، بينما تعرضت المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملون في القطاع الصحي لهجمات متكررة منذ أبريل 2023، وهو ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا بين قتلى ومصابين، وفاقم من صعوبة وصول المرضى إلى العلاج، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا من النزاع.
وفي مناطق دارفور وكردفان، تتضاعف المأساة مع موجات النزوح الواسعة التي أجبرت السكان على مغادرة منازلهم، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، ما يدفع المرضى إلى قطع مسافات طويلة وخطرة بحثًا عن أي مرفق صحي لا يزال يعمل. ويُعد الهجوم على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور مثالًا صارخًا على حجم التدهور، إذ أدى إلى مقتل العشرات وخروج أحد أهم المستشفيات المرجعية في المنطقة من الخدمة، تاركًا مئات الآلاف دون رعاية.
وفي هذا السياق، أكد تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن الحرب لا تحصد الأرواح فحسب، بل تحرم الملايين من حقوقهم الأساسية في الصحة والغذاء والمياه، مشيرًا إلى أن النظام الصحي في السودان أصبح شبه مشلول. كما شددت حنان بلخي على أن البلاد تحولت إلى بؤرة لأكبر أزمة صحية مستمرة عالميًا، في ظل تصاعد معدلات المرض وسوء التغذية وتراجع فرص الحصول على الرعاية الطبية.
ورغم هذه التحديات، تواصل منظمة الصحة العالمية جهودها لدعم النظام الصحي، حيث تمكنت من إيصال آلاف الأطنان من الإمدادات الطبية وتقديم خدمات علاجية لملايين المواطنين، إلى جانب تنفيذ حملات تطعيم واسعة ساهمت في الحد من انتشار بعض الأوبئة، من بينها الكوليرا التي أُعلن احتواء آخر موجاتها في مارس 2026 بعد جهود استمرت لأكثر من عام.
ومع ذلك، يبقى المشهد العام قاتمًا، إذ تؤكد المنظمة أن استمرار تدهور الأوضاع مرهون بغياب الحلول السياسية، مشددة على أن تحسين الوضع الصحي في السودان يتطلب تأمين وصول المساعدات، وحماية المنشآت الطبية، وتوفير تمويل مستدام، قبل كل شيء. وبينما تتزايد التحذيرات الدولية، يظل الأمل معلقًا على إنهاء النزاع، باعتباره السبيل الوحيد لوقف الانهيار واستعادة الحد الأدنى من الحياة والرعاية لملايين السودانيين.



