عندما كتبت الشركات ما يجب أن نأكله …وكيف ساهمت لوبيات الغذاء في تشكيل صحة العالم
لم يكن الهرم الغذائي مجرد رسم تعليمي في كتاب مدرسي، ولم يكن مجرد نصيحة صحية عابرة، بل كان واحداً من أكثر القرارات تأثيراً في صحة البشر خلال القرن العشرين.
منذ لحظة ظهوره في بداية التسعينيات، أصبح هذا الشكل المثلث مرجعاً عالمياً لما يجب أن يأكله الإنسان يومياً، وتبنته الحكومات، ودرّسته المدارس، واعتمدته المستشفيات، وتحول إلى قاعدة ثابتة في وعي الملايين.
اقرا ايضًا: لماذا “قلبنا الهرم”؟.. د. أسامة حمدي يكشف كواليس 20 عامًا من الصراع العلمي
لكن مع مرور السنوات، بدأت أسئلة صعبة تطرح نفسها بقوة داخل الأوساط العلمية.
هل وُضع هذا الهرم بناءً على العلم فقط، أم أن المصالح الاقتصادية لعبت دوراً في تحديد ما يجب أن يأكله العالم؟
هذا التحقيق يرصد كواليس واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ التغذية الحديثة، وكيف تشكلت التوصيات الغذائية العالمية في ظل تداخل معقد بين العلم والسياسة والاقتصاد.
بداية القصة.. الهرم الذي دخل كل بيت
في عام 1992 أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية عن النموذج الغذائي الشهير الذي عُرف باسم الهرم الغذائي.
وضع النموذج الحبوب والنشويات في القاعدة باعتبارها المصدر الرئيسي للطاقة، بينما جاءت الخضروات والفواكه في المستوى التالي، ثم البروتينات، وفي القمة الدهون والزيوت مع توصية بتقليلها قدر الإمكان.
بدا الأمر في ذلك الوقت وكأنه خلاصة ما توصل إليه العلم، لكن الجدل بدأ مبكراً حول الجهة التي وضعت هذه التوصيات.
وزارة الزراعة الأمريكية ليست جهة طبية فقط، بل هي أيضاً مسؤولة عن دعم المزارعين وتسويق المنتجات الزراعية، وعلى رأسها القمح والذرة والصويا والسكر، وهي نفس المنتجات التي احتلت موقعاً أساسياً في قاعدة الهرم الغذائي.
هذا التداخل بين الدور الاقتصادي والدور الصحي أثار تساؤلات داخل المجتمع العلمي حول مدى استقلال التوصيات الغذائية، وهل يمكن لجهة مسؤولة عن إنتاج الغذاء وتسويقه أن تكون في الوقت نفسه الجهة التي تحدد ما يجب أن يستهلكه الناس.

وثائق كشفت ما جرى في الستينيات
الجدل حول تأثير الشركات على العلم لم يكن مجرد شكوك نظرية.
في عام 2016 نشرت مجلة علمية مرموقة دراسة اعتمدت على وثائق تاريخية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، أظهرت أن صناعة السكر موّلت أبحاثاً علمية هدفت إلى التقليل من دور السكر في أمراض القلب، وتحويل التركيز نحو الدهون.
الوثائق كشفت أن بعض الدراسات التي كان لها تأثير كبير في تشكيل التوصيات الغذائية حصلت على تمويل من جهات مرتبطة بصناعة السكر، وأن نتائج هذه الدراسات ساهمت في ترسيخ فكرة أن الدهون هي الخطر الأكبر على صحة القلب، بينما لم يتم التركيز بنفس القوة على استهلاك السكر.
هذه النتائج لم تثبت أن كل التوصيات كانت خاطئة، لكنها أظهرت أن المصالح الاقتصادية كانت حاضرة في مرحلة مهمة من تاريخ علم التغذية.
تحذيرات علمية لم تجد طريقها إلى التوصيات
خلال العقود التي سبقت اعتماد الهرم الغذائي، أبدى عدد من الباحثين تحفظات على التوسع في استهلاك الكربوهيدرات المكررة والسكريات، وأشاروا إلى أن الإفراط فيها قد يرتبط بزيادة خطر السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي.
لكن في ذلك الوقت كانت التوصيات الرسمية تميل بقوة إلى تقليل الدهون، خاصة الدهون المشبعة، وهو ما أدى إلى تشجيع استهلاك كميات أكبر من الحبوب والنشويات.
وبمرور الوقت أصبحت هذه التوصيات هي القاعدة التي بنيت عليها برامج التغذية في المدارس، والمستشفيات، والبرامج الحكومية في عدد كبير من الدول.
عصر قليل الدسم.. عندما تغير الطعام
مع انتشار فكرة أن الدهون هي العدو الأول، بدأت شركات الأغذية في إنتاج آلاف المنتجات التي تحمل عبارة قليل الدسم.
لكن إزالة الدهون من الطعام كان يعني فقدان الطعم، ولذلك لجأت الشركات إلى إضافة السكر والنشويات والمواد المحسنة للطعم لتعويض ذلك.
ظهرت أطعمة كثيرة توصف بأنها صحية لأنها قليلة الدهون، لكنها في الحقيقة تحتوي على نسب مرتفعة من السكر أو الكربوهيدرات المكررة.
في نفس الفترة تقريباً بدأت معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني في الارتفاع في عدد كبير من الدول، خاصة في المجتمعات التي زاد فيها الاعتماد على الأغذية المصنعة.
لا يمكن تفسير هذه الظاهرة بسبب واحد فقط، لكن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن زيادة استهلاك السكريات والنشويات المكررة كان أحد العوامل المهمة في هذا التغير.
كيف وصل الهرم الغذائي إلى عقول الأطفال
لم يقتصر انتشار الهرم الغذائي على الكتب العلمية، بل دخل إلى المناهج الدراسية وحملات التوعية والإعلانات، وأصبح جزءاً من الثقافة الغذائية العامة.
تعلم الأطفال في المدارس أن الخبز والأرز والمكرونة هي أساس الغذاء اليومي، وأن الدهون يجب تجنبها قدر الإمكان، بينما لم يكن الحديث عن السكر بنفس القوة.
وبمرور الوقت تشكلت عادات غذائية استمرت لعقود، وأصبح تغييرها أكثر صعوبة حتى بعد ظهور أبحاث جديدة.
بداية إعادة النظر في التوصيات
في السنوات الأخيرة بدأت مؤسسات صحية كبرى في مراجعة كثير من التوصيات القديمة، وظهرت نماذج غذائية جديدة تركز على التوازن بدلاً من التقسيم الحاد بين المسموح والممنوع.
أصبحت التوصيات الحديثة تميل إلى تقليل الأطعمة المصنعة والسكريات المضافة، وزيادة الاعتماد على الخضروات والبروتينات والدهون الصحية، مع الاهتمام بنمط الحياة بشكل عام وليس نوع الطعام فقط.
كما أصبح الحديث عن تضارب المصالح في أبحاث التغذية موضوعاً مطروحاً بشكل أكبر، مع دعوات لزيادة الشفافية في تمويل الدراسات العلمية.
بين العلم والاقتصاد.. من يقرر ما نأكله
قصة الهرم الغذائي تكشف أن القرارات الصحية الكبرى لا تُصنع في المختبرات وحدها، بل تتأثر أحياناً بالسياسة والاقتصاد والمصالح التجارية.
ليس معنى ذلك أن كل ما قُدم للناس كان خاطئاً، لكن التاريخ يظهر أن الطريق إلى التوصيات الغذائية لم يكن دائماً مستقيماً، وأن النقاش العلمي كان في بعض الأحيان يسير جنباً إلى جنب مع ضغوط اقتصادية كبيرة.
اليوم، ومع زيادة الوعي وانتشار المعلومات، أصبح من الضروري أن يكون المستهلك أكثر قدرة على التمييز، وأن يعتمد على المعرفة العلمية المستقلة، لا على الإعلانات أو الاتجاهات التجارية.
بوابة مصر الصحية
ففي النهاية، ما نأكله لا يؤثر فقط على أجسامنا، بل على صحة المجتمعات كلها.



