لماذا “قلبنا الهرم”؟.. د. أسامة حمدي يكشف كواليس 20 عامًا من الصراع العلمي

في منشور مطوّل عبر صفحته الشخصية على “فيس بوك”، روى الأستاذ الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد، تفاصيل معركة علمية استمرت أكثر من عقدين، وانتهت – بحسب وصفه – بتغيير جذري في الإرشادات الغذائية الخاصة بمرضى السكري والسمنة، وقلب الهرم الغذائي التقليدي رأسًا على عقب.

بداية الأزمة

أوضح الدكتور حمدي أن القصة بدأت قبل 23 عامًا، حين كُلّف بقيادة فريق بحثي بمركز جوزلين للسكر بجامعة هارفارد للرد على اتهامات نشرتها مجلة أمريكية شهيرة، اعتبرت أن الإرشادات الغذائية المتبعة آنذاك قد تضر مرضى السكري.

وأشار إلى أن الهرم الغذائي الذي وُضع منذ عام 1980 كان يعتمد على جعل النشويات – كالخبز ومنتجات القمح والحبوب – في قاعدة الهرم، مع تقليل الدهون والبروتينات، انطلاقًا من الاعتقاد السائد وقتها بأن الدهون هي السبب الرئيسي لأمراض القلب، وأن البروتين قد يضر الكلى.

نتائج مغايرة للسائد

وأكد أنه بعد مراجعة موسعة للأبحاث العلمية على مدار 20 عامًا، توصل الفريق إلى نتائج عكس المتعارف عليه؛ إذ تبين – وفق ما ذكره – أن الإفراط في تناول النشويات، خاصة السكر ومنتجات الدقيق والنشويات عالية المحتوى مثل الأرز والبطاطس، يمثل الخطر الأكبر، بينما لا تمثل البروتينات والدهون المفيدة الخطر الذي كان يُروَّج له.

وأوضح أن التوصيات الجديدة التي طرحها الفريق دعت إلى:

         •      خفض النشويات إلى 40–45% من إجمالي السعرات.

         •      رفع البروتين إلى نحو 30% (بمعدل 1–1.5 جرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم).

         •      استكمال باقي الاحتياجات من الدهون المفيدة.

وأشار إلى أن هذه التوصيات أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الطبية الأمريكية، ووصل الأمر – بحسب روايته – إلى مطالبات بفصله بسبب مخالفة الإرشادات الرسمية السائدة وقتها.

د. أسامة حمدي يكشف كواليس 20 عامًا من الصراع العلمي

“مناظرة البروتينات الكبرى”

وتطرق الدكتور حمدي إلى مناظرة علمية عُقدت عام 2008 ضمن المؤتمر السنوي للجمعية الأمريكية للسكر، بحضور أكثر من 8000 طبيب وباحث، ناقشت تأثير البروتين على مرضى السكري ووظائف الكلى. وأوضح أنه قدّم خلالها ما اعتبره أدلة علمية تفند المخاوف الشائعة بشأن خطورة البروتين.

مواجهة الإرشادات الحكومية

كما أشار إلى اعتراضه، مع مجموعة من الباحثين، على الإرشادات الغذائية الصادرة عام 2015 عن وزارة الزراعة الأمريكية، مؤكدًا أنهم شكّلوا مجموعة ضغط علمية للمطالبة بمراجعة الأسس التي توضع عليها التوصيات الغذائية الرسمية.

وأضاف أنه نشر مقالًا في صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2016 دعا فيه إلى العودة لعلاج السكري عبر التغذية السليمة وخفض النشويات، مؤكدًا أن المقال أثار تفاعلًا واسعًا، وأشعل جدلًا كبيرًا داخل الأوساط العلمية والطبية.

أبحاث ومنشورات علمية

وذكر الدكتور حمدي أنه نشر عددًا من الأبحاث في دوريات طبية كبرى، بينها مجلة “Lancet”، لدعم رؤيته بشأن العلاقة بين النظام الغذائي وانتشار السكري، كما أجرى فريقه دراسة تجاوزت تكلفتها مليون دولار – بحسب ما أوضح – خلصت إلى عدم خطورة دهون منتجات الألبان على مرضى السكري.

تغيير في التوصيات

وأكد أن الجمعية الأمريكية للسكري أدرجت لاحقًا ضمن إرشاداتها ما يفيد بأن خفض النشويات يُعد من أفضل الخيارات الغذائية لمرضى السكري والسمنة، معتبرًا ذلك “انتصارًا للعلم بعد سنوات من الجدل”.

وأوضح أن الإرشادات الغذائية الأحدث اتجهت إلى تقليل الاعتماد على النشويات، مع التركيز على البروتينات والدهون الصحية للحفاظ على الكتلة العضلية والصحة العامة، وهو ما وصفه بقلب الهرم الغذائي التقليدي.

رسالة ختامية

واختتم الدكتور أسامة حمدي منشوره بالتأكيد على أن “الخطأ قد يتحول إلى عقيدة يصعب المساس بها، لكن العلم القائم على البحث الرصين قادر في النهاية على تصحيح المسار”، مشددًا على أن صحة الإنسان يجب أن تظل الأولوية فوق أي اعتبارات أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top