تحقيق: يرصد تصاعد ظاهرة انتحال صفة الطبيب من العيادات إلى المنصات الرقمية
كتبت: إيمان الجندي
لم تعد ظاهرة انتحال صفة الطبيب في المجتمع المصري حالات فردية أو وقائع معزولة، بل أصبحت ملفًا متصاعدًا يفرض نفسه بقوة، مع تزايد ضبط حالات لأشخاص يمارسون أعمالًا طبية دون مؤهل علمي أو ترخيص قانوني، مستغلين ثقة المرضى، وانتشار الدعاية الرقمية، وسرعة تداول المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.
الظاهرة لم تعد محصورة في تخصص بعينه، بل امتدت إلى مجالات متعددة مثل التجميل والجلدية والتغذية وطب الأسنان، لتكشف عن تحول “المظهر الطبي” والشهرة الإلكترونية إلى أدوات قد تمنح بعض غير المؤهلين شرعية زائفة أمام الجمهور.
اقرأ ايضًا: الاحتراق الوظيفي.. خطر صامت يهدد الاطباء ويستنزف المنظومة الصحية
من عيادات مغلقة إلى منصات مفتوحة.. أين تبدأ الأزمة؟
تشير وقائع الضبط المتكررة خلال السنوات الأخيرة إلى اتساع نطاق الظاهرة، حيث أعلنت الجهات المختصة عن ضبط أشخاص ومنشآت تمارس نشاطًا طبيًا دون ترخيص، أو تقدم نفسها باعتبارها كيانات طبية رسمية.
وبعض هذه الحالات اكتسبت زخمًا مجتمعيًا واسعًا، خاصة عندما يكون المتهم معروفًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو يعتمد على حملات إعلانية مكثفة، ما يعكس تحول “الشهرة الرقمية” إلى أحد أخطر أدوات منح الثقة غير المستحقة.
كيف تُصنع “الثقة الزائفة”؟
يعتمد بعض منتحلي الصفة على أدوات تسويقية تُظهرهم بمظهر الطبيب الحقيقي، مثل:
* إنشاء صفحات طبية على السوشيال ميديا
* نشر صور “قبل وبعد” كدليل علاجي
* استخدام مصطلحات طبية معقدة لإضفاء المصداقية
* الظهور كخبراء في محتوى صحي متكرر
لكن المعايير العلمية واضحة:
ممارسة الطب لا تثبت بالظهور أو عدد المتابعين، وإنما بالمؤهل العلمي، والقيد في النقابة المختصة، والحصول على ترخيص مزاولة المهنة.
طب الأسنان.. منطقة عالية الحساسية
دخلت خدمات طب الأسنان والتجميل في دائرة الخطر مع انتشار الإعلانات السريعة والعروض المخفضة عبر الإنترنت، ما يدفع بعض المرضى لاتخاذ قرار العلاج بناءً على السعر أو الإعلان فقط.
ويحذر المتخصصون من أن أي تدخل غير مؤهل في هذا المجال قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تشمل التهابات، فقدان أسنان، أو تلف دائم في أنسجة الفم والفكين، نظرًا لطبيعة الإجراءات الدقيقة والحساسة.
لماذا يقع المرضى في الفخ؟
تتعدد العوامل التي تغذي الظاهرة، أبرزها:
* ضعف الوعي بآليات التحقق من الطبيب المرخص
* الاعتماد على الشهرة الرقمية كبديل عن المؤهل العلمي
* البحث عن تكلفة أقل للعلاج
* الانتشار الواسع للإعلانات الطبية غير الموثوقة
تحركات رسمية لمواجهة الظاهرة
أكدت الجهات الصحية استمرار حملات التفتيش على المنشآت الطبية، وضبط الكيانات غير المرخصة، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يثبت تورطه في ممارسة المهنة دون سند قانوني.
كما شددت على ضرورة مواجهة الإعلانات الطبية المضللة، وتعزيز الرقابة على المحتوى الصحي المتداول عبر الإنترنت، لما يمثله من تأثير مباشر على قرارات المرضى.
دور النقابات المهنية
تؤكد النقابات الطبية أن ممارسة المهنة حق حصري للأطباء المقيدين رسميًا، مع الالتزام بالمعايير العلمية والمهنية.
كما تدعو إلى رفع وعي المواطنين، وتشجيع الإبلاغ عن أي ممارسات مشبوهة، باعتبار أن حماية المريض مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
إجراءات عاجلة من نقابة الأطباء
وفي تحرك موسع، وافقت هيئة مكتب نقابة الأطباء على حزمة توصيات وإجراءات لمواجهة الظاهرة، شملت:
* التوجه إلى مجلس النواب لتعديل تشريعي يغلّظ عقوبات انتحال صفة الطبيب وممارسة الطب دون ترخيص، واعتبارها من الجرائم المخلة بالشرف، مع زيادة عقوبات الحبس والغرامة، في ظل تدني العقوبة الحالية مقارنة بخطورة الجريمة
* التنسيق مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لمنع تقديم أي محتوى طبي علاجي إلا من خلال أطباء مرخصين وفي حدود تخصصهم
* إنشاء وحدة مركزية داخل النقابة لرصد منتحلي الصفة، وإطلاق منصة إلكترونية لتلقي البلاغات، بالتعاون مع وزارة الصحة ومباحث الإنترنت لرصد الصفحات المخالفة
* تفعيل دور العلاج الحر في حملات تفتيش دورية على العيادات والمراكز غير المرخصة أو المشتبه بها
* إطلاق تطبيق رسمي للتحقق من هوية الطبيب عبر الاسم أو رقم القيد أو QR Code، ودراسة تطبيق نظام تحقق داخل المنشآت الطبية
* التنسيق مع منصات التواصل (فيسبوك – يوتيوب – تيك توك) والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لمواجهة المحتوى الطبي المضلل
* دعم الأطباء المؤهلين وإبراز دورهم في الإعلام وتدريبهم على التواصل المهني * إنشاء منصة رقمية رسمية للنقابة لنشر محتوى طبي موثوق
المريض.. خط الدفاع الأول
يبقى المريض هو خط المواجهة الأهم، إذ يتطلب الأمر التحقق من:
* اسم الطبيب وتخصصه
* رقم القيد بالنقابة
* ترخيص المنشأة الطبية
فالطب ليس إعلانًا ولا شهرة رقمية، بل علم ومسؤولية قانونية وإنسانية.
اخيراً:
انتحال صفة الطبيب لم يعد مجرد مخالفة فردية، بل خطر مباشر على صحة المجتمع وثقته في المنظومة الطبية. ومع توسع الفضاء الرقمي، أصبحت المواجهة تتطلب مزيجًا من التشريع والرقابة والوعي المجتمعي، حتى لا يتحول “الطب الوهمي” إلى واقع يهدد حياة المرضى.



