“الفيل الأبيض”… عندما تتحول المستشفيات الفاخرة إلى عبء بدلاً من أن تكون ثروة

بقلم: د. اسعد رياض

يرجع أصل مصطلح “الفيل الأبيض” (White Elephant) إلى مملكة سيام القديمة (تايلاند حالياً)، حيث كانت الأفيال البيضاء تُعد حيوانات مقدسة ونادرة لا يجوز استخدامها في العمل أو الحروب. وكان الملك يمنح فيلاً أبيض لمن يريد تكريمه ظاهرياً أو إثقال كاهله عملياً، لأن تكلفة رعايته كانت باهظة للغاية، بينما لا يحقق أي عائد اقتصادي، فيتحول إلى عبء مالي دائم على مالكه.

ومن هنا أصبح مصطلح “الفيل الأبيض” في علم الإدارة والاقتصاد يطلق على المشروعات الضخمة التي تستهلك استثمارات هائلة، وتبدو مبهرة من الخارج، لكنها لا تحقق العائد المتوقع، فتتحول من أصل استراتيجي إلى عبء اقتصادي طويل الأمد.

اقرأ ايضًا: ما بعد الجراحة: لماذا تبدأ التجربة الحقيقية بعد انتهاء العلاج؟

ولعل هذا المفهوم من أخطر المفاهيم التي ينبغي أن نستوعبها عند التخطيط لتطوير السياحة العلاجية.

للأسف، ما زالت بعض الدول تعتقد أن النجاح في السياحة العلاجية يبدأ ببناء مستشفى فاخر، أو شراء أحدث الأجهزة الطبية، أو إنشاء مدينة طبية عملاقة.

لكن الحقيقة مختلفة تماماً.

السياحة العلاجية لا تُبنى بالمباني… بل تُبنى بالمرضى.

فيمكن لدولة أن تمتلك مستشفى يُضاهي أفضل المستشفيات العالمية، مزوداً بأحدث التقنيات وأفضل الكفاءات، ومع ذلك يعمل بجزء بسيط من طاقته التشغيلية، لأن أحداً لم يبنِ المنظومة التي تجذب المرضى إليه.

وهنا يبدأ ظهور “الفيل الأبيض”.

أجهزة طبية بملايين الدولارات تعمل لساعات محدودة.

غرف مرضى فارغة.

كوادر طبية متميزة لا تجد العدد الكافي من المرضى.

وتكاليف تشغيل وصيانة واستهلاك تتزايد عاماً بعد عام، بينما تبقى الإيرادات أقل كثيراً من المتوقع.

إن الخطأ الحقيقي لا يكمن في الاستثمار في البنية التحتية، بل في توقيت الاستثمار.

فالبنية التحتية يجب أن تكون استجابة لاحتياجات السوق، وليست بديلاً عن بناء السوق.

قبل أن نفكر في بناء مستشفى جديد، علينا أن نسأل أنفسنا:

من هم المرضى الذين نستهدفهم؟

ما الدول التي سنجذبهم منها؟

لماذا سيختارون بلدنا دون غيرها؟

كيف سيصلون إلينا؟

من سيدير رحلتهم العلاجية؟

وكيف سنضمن تجربة متميزة تدفعهم للعودة وترشيحنا لغيرهم؟

إذا لم تكن لدينا إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، فإن أي مشروع، مهما بلغت فخامته، معرض لأن يتحول إلى “فيل أبيض”.

إن الاستثمار الحقيقي في السياحة العلاجية يبدأ من بناء المنظومة.

بناء السمعة الدولية.

الحصول على الاعتمادات الدولية.

تدريب الكوادر.

تطوير شركات التيسير الطبي.

بناء شبكة من الشركاء الدوليين.

التسويق الاحترافي للأسواق المستهدفة.

تبسيط إجراءات التأشيرات والسفر.

توفير تجربة متميزة للمريض منذ أول تواصل وحتى عودته إلى وطنه.

بعد ذلك فقط يصبح التوسع في البنية التحتية قراراً منطقياً تدعمه احتياجات السوق.

ولذلك فإن الدول الرائدة في السياحة العلاجية لم تبدأ بأكبر المستشفيات، وإنما بدأت ببناء الثقة.

ومع تزايد أعداد المرضى، توسعت تدريجياً في عدد الأسرة، وغرف العمليات، والأجهزة، والخدمات المساندة.

إنها فلسفة مختلفة تماماً.

فبدلاً من أن نبني مستشفى ثم نبحث عن المرضى…

نبني السوق أولاً، فيأتي المرضى، ثم يفرضون علينا التوسع.

وهذا هو الفرق بين الاستثمار الاستراتيجي والاستثمار الاستعراضي.

الأول يبني قيمة اقتصادية مستدامة.

أما الثاني فيبني منشآت جميلة قد تتحول مع الوقت إلى عبء على الاقتصاد.

وفي رأيي، فإن نجاح أي مشروع في السياحة العلاجية لا يقاس بعدد المباني التي شُيدت، ولا بعدد الأجهزة التي تم شراؤها، بل يقاس بمؤشرات أكثر أهمية:

عدد المرضى الدوليين.

نسب الإشغال.

متوسط العائد لكل مريض.

رضا المرضى وتجربتهم.

تكرار الزيارات والترشيحات.

مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.

فالمنشآت يمكن بناؤها خلال سنوات قليلة…

أما السمعة الدولية والثقة فلا تُشترى، بل تُبنى بصبر، واستراتيجية، وعمل مؤسسي طويل.

إن أكبر خطر يواجه الدول الطامحة لدخول سوق السياحة العلاجية ليس نقص الإمكانات، بل الوقوع في فخ “الفيل الأبيض”.

لذلك، فإن رسالتي لكل من يخطط للاستثمار في هذا القطاع هي:

لا تبنِ مستشفى لتبحث عن المرضى… بل ابنِ سوقاً، وسيقودك السوق إلى بناء المستشفى الذي يحتاجه بالفعل.

فالسوق هو الذي يصنع المستشفى الناجح…

أما المستشفى وحده، فلا يصنع سوقاً.

د. اسعد رياض

المدير الاقليمى لتيموس العالمية في مصر وشمال افريقيا

وعضو استشاري للمجلس العالمى للسياحة العلاجية

1 فكرة عن ““الفيل الأبيض”… عندما تتحول المستشفيات الفاخرة إلى عبء بدلاً من أن تكون ثروة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top