لم تعد وزارة الصحة والسكان مجرد جهاز خدمي تقليدي، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى أحد أعمدة الأمن القومي الشامل، في ظل ما يشهده الإقليم من اضطرابات صحية وإنسانية، وما تفرضه التحديات الديموغرافية والاقتصادية من ضغوط متصاعدة على المنظومة الصحية.
أولاً: دلالة الأرقام… الصحة كأولوية دولة
حديث الدكتور خالد عبدالغفار عن استثمارات تجاوزت 222 مليار جنيه في الفترة من 2014 إلى 2025 لتنفيذ أكثر من 1255 مشروعًا صحيًا، لا يعكس فقط حجم الإنفاق، بل يكشف عن تحول في فلسفة الدولة تجاه الصحة، من إدارة أزمة إلى بناء منظومة مستدامة.
هذه الاستثمارات لم تُوجَّه إلى التوسع الكمي فقط، بل إلى:
• إعادة هيكلة البنية التحتية للمستشفيات.
• إدخال التكنولوجيا الطبية المتقدمة.
• رفع جاهزية وحدات الطوارئ والعناية الحرجة.
وهو ما يضع مصر في مسار تقليل الفجوة الصحية بين المركز والأقاليم، وهي قضية طالما مثّلت تحديًا اجتماعيًا وسياسيًا.
ثانيًا: التأمين الصحي الشامل… من العدالة إلى الاستقرار
التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل يمثل الذراع الاجتماعية للإصلاح الصحي، ويعكس انتقال الدولة من دعم الخدمة إلى ضمان الحق في الصحة.
فالمنظومة لا تستهدف فقط تحسين جودة العلاج، بل:
• تخفيف العبء المالي عن الأسر.
• ضبط الإنفاق الصحي.
• توحيد معايير الخدمة.
واللافت هنا هو التكامل المؤسسي بين وزارة الصحة وهيئة الشراء الموحد وهيئة الدواء المصرية وهيئة سلامة الغذاء، بما يؤسس لسوق دوائي منضبط، ويحد من أزمات النقص والتلاعب، وهو ملف حساس له امتدادات اقتصادية وسيادية.
ثالثًا: العنصر البشري… الرهان الحقيقي
إقرار الوزير بأن المنظومة تضم أكثر من مليون كادر طبي وإداري وفني يسلّط الضوء على أن التحدي لم يعد في عدد المنشآت، بل في إدارة المورد البشري.
ومن هنا تبرز أهمية:
• برامج التدريب والبعثات الخارجية.
• تحسين بيئة العمل.
• تطبيق قانون المسؤولية الطبية.
• إنشاء صندوق مخاطر المهن الطبية.
هذه الإجراءات تعكس محاولة لإعادة التوازن بين حق المريض وحماية الطبيب، في وقت تعاني فيه المنظومات الصحية عالميًا من نزيف الكفاءات.
رابعًا: الصحة والسياسة الخارجية الإنسانية
إشادة الوزير بدور الفرق الطبية في رعاية الأشقاء الفلسطينيين والسودانيين تكشف بُعدًا آخر للمنظومة الصحية المصرية، وهو الدور الإقليمي الإنساني.
فالقدرة على استقبال الحالات الحرجة وتقديم الرعاية الطارئة في أوقات الأزمات ليست فقط إنجازًا طبيًا، بل رسالة سياسية ناعمة تؤكد:
• جاهزية الدولة.
• استقرار مؤسساتها.
• قدرتها على إدارة الأزمات المركبة.
خامسًا: المبادرات الرئاسية… من العلاج إلى الوقاية
المبادرات الرئاسية للصحة العامة تمثل نقلة نوعية من طبّ التدخل إلى طب الوقاية والكشف المبكر، وهو ما يقلل كلفة المرض على الدولة والمجتمع، ويرفع من مؤشرات جودة الحياة، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمنظومة الصحية.
خلاصة تحليلية
ما تشهده وزارة الصحة المصرية اليوم هو إعادة بناء شاملة لمنظومة الأمن الصحي، تعتمد على ثلاثة محاور متوازنة:
• استثمار ضخم في البنية التحتية.
• إصلاح مؤسسي وتشريعي.
• رهان واضح على العنصر البشري.
والتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون في إطلاق المشروعات، بل في استدامتها، وقياس أثرها الاجتماعي، وضمان عدالة توزيع ثمارها، بما يحول الصحة من ملف خدمي إلى ركيزة للاستقرار والتنمية.



