في الحادي عشر من فبراير من كل عام، يرتدي العالم “البالطو الأبيض” احتفاءً بيوم الطبيبة العالمي، ولكن في مصر، لهذا اليوم طعم مختلف. هنا، لم تكن المرأة مجرد ممارسة للمهنة، بل كانت “حجر الزاوية” في بناء المنظومة الصحية منذ فجر التاريخ. من “مدرسة الحكيمات” في عهد محمد علي باشا، وصولاً إلى صائدات الجينات في القرن الحادي والعشرين، نفتح سجلات الفخر لنروي حكايات طبيبات مصريات لم يداوين الأجساد فحسب، بل كسرن قيود المستحيل.

هيلانة سيداروس.. “الرياضيات التي خانت الأرقام من أجل الأرواح”
لم يكن سفرها إلى لندن عام 1922 مجرد بعثة دراسية، بل كان بمثابة “ثورة صامتة”.
* المفاجأة التاريخية: هيلانة سافرت في البداية لدراسة الرياضيات، لكن بتشجيع من القوى الوطنية آنذاك، تحولت للطب لتصبح أول طبيبة مصرية في العصر الحديث.
وعند عودتها، كانت أول امرأة مصرية تقتحم تخصص “النساء والتوليد” الذي كان حكراً على الرجال والأجانب، وافتتحت عيادتها الشهيرة في “باب اللوق” لتصبح ملاذاً للمصريات، ومارست الجراحة في المستشفى القبطي بكل جدارة حتى سن السبعين.

الدكتورة زهيرة عابدين.. “أم الأطباء” التي هزمت حمى الروماتيزم
تستحق لقب “المرأة المؤسسة”؛ فهي لم تكتفِ بالعيادة، بل بنَت مؤسسات.
فهي أول سيدة عربية تحصل على جائزة “إليزابيث نورجل” العالمية، لكن بصمتها الحقيقية كانت في تأسيس أول مركز متخصص لعلاج الحمى الروماتيزمية في الشرق الأوسط.

الدكتورة مها ذكي.. “صائدة الجينات” التي كتب العالم اسمها
ويُطلق عليها أجيال الأطباء في “قصر العيني” لقب “الأم”، ليس فقط لعلمها، بل لكونها أول طبيبة تؤسس جمعية لرعاية الطفولة والأمومة، مكرسةً حياتها لحماية قلوب الأطفال.
فعندما نتحدث عن البحث العلمي العالمي، يبرز اسم الدكتورة مها ذكي بالمركز القومي للبحوث.
فهي لم تكتشف مرضاً واحداً، بل اكتشفت أكثر من 30 متلازمة وراثية نادرة.
ولشدة دقة أبحاثها، سُجلت بعض هذه المتلازمات في المراجع الطبية الدولية باسم “متلازمة مها ذكي”. هي نموذج للطبيبة التي جعلت من المعمل ساحة للبطولة، وأنقذت آلاف العائلات من شبح الأمراض الوراثية المجهولة.

الدكتورة نادية زخاري.. من المعمل إلى كرسي الوزارة
تمثل الدكتورة نادية مزيجاً فريداً بين العالمة والمسؤولة القيادية، كأستاذة للكيمياء الحيوية الطبية بمعهد الأورام، كانت أبحاثها ركيزة أساسية في فهم بيولوجيا الأورام وكيفية تشخيص السرطان مبكراً.
فهي أول امرأة تتولى حقيبة وزارة البحث العلمي في مصر، لتثبت أن كفاءة الطبيبة المصرية لا سقف لها.

الدكتورة ميرفت مطر.. حارسة “قصر العيني” ونبض العمل النقابي
تمثل الدكتورة ميرفت الجيل الذي يجمع بين التفوق الأكاديمي والوعي المهني.
الريادة في زرع النخاع، كأستاذة لأمراض الدم، ساهمت في وضع مصر على خارطة الدول المتقدمة في بروتوكولات زرع النخاع.
ولم تنعزل في محراب العلم، بل كانت دائماً صوتاً قوياً للأطباء في نقابتهم، مدافعة عن حقوق المهنة ومطورة لأدائها.
الطبيبة المصرية
تشير البيانات الحديثة لنقابة الأطباء في مصر إلى تحول ديموغرافي مذهل:
* نسبة الطبيبات المقيدات بالنقابة تقترب من 50% من إجمالي عدد الأطباء.
* في كليات الطب، تتفوق الطالبات في نسب النجاح والامتياز في أغلب الجامعات المصرية، مما يشير إلى أن مستقبل الطب في مصر يحمل “وجهاً أنثوياً” بامتياز.
ختاماً.. “تحية لمن غيّرت المجرى”
في اليوم العالمي للطبيبات، لا نحتفل فقط بمن يرتدين السماعات، بل نحتفل بمن غيرن مجرى التاريخ الاجتماعي في مصر. من هيلانة التي مهدت الطريق، إلى طبيباتنا الشابات اليوم في القرى والمدن؛ أنتن لستن فقط “جيش مصر الأبيض”، بل أنتن نبض الإنسانية الذي لا يتوقف.
هل تعرف طبيبة أثرت في حياتك؟ شاركنا اسمها في التعليقات لنوجه لها تحية خاصة من “بوابة مصر الصحية“.



