بقلم: إيمان الجندي
أعادت واقعة القبض على شخص انتحل صفة جراح قلب، وصدر بحقه حكم بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات بتهم تتعلق بتزوير مؤهلات ومستندات رسمية، تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل القطاع الصحي، وهي آليات التحقق من المؤهلات العلمية والمهنية للعاملين بالمهن الطبية، ومدى قدرة المنظومة الحالية على منع أي محاولات للتلاعب أو انتحال الصفة.
القضية لم تكن مجرد مخالفة قانونية تتعلق بأوراق أو شهادات مزورة، بل أثارت تساؤلات أوسع حول كيفية تمكن شخص غير مقيد رسميًا بسجلات المهنة من تقديم نفسه للرأي العام والمرضى باعتباره متخصصًا في أحد أكثر التخصصات الطبية دقة وخطورة، وهو جراحات القلب، وما إذا كانت هناك حاجة إلى تطوير أدوات التحقق والرقابة داخل المؤسسات الصحية المختلفة.
وبحسب ما أظهرته التحقيقات، فإن المتهم نسب إلى نفسه مؤهلات أكاديمية ومناصب طبية مرموقة، قبل أن تكشف المخاطبات الرسمية عدم قيده بنقابة الأطباء وعدم صحة البيانات المهنية التي استند إليها في ممارسة نشاطه. وهي واقعة تطرح بدورها تساؤلات حول مدى كفاءة إجراءات التدقيق في المستندات المهنية داخل بعض الجهات والمؤسسات.
ويرى متخصصون في الحوكمة الصحية وإدارة الجودة أن حماية المريض لا تبدأ داخل غرفة العمليات أو العيادات فقط، بل تبدأ من التأكد الكامل من أهلية مقدمي الخدمة الصحية وصحة تراخيصهم ومؤهلاتهم العلمية. فعملية التحقق من الشهادات والتخصصات والخبرات المهنية تعد أحد أهم خطوط الدفاع الأولى للحفاظ على سلامة المرضى وضمان جودة الرعاية الصحية.
كما يؤكد خبراء أن مسؤولية التحقق لا تقع على عاتق الجهات الرقابية وحدها، بل تمتد إلى المستشفيات والمراكز الطبية العامة والخاصة، التي يفترض أن تطبق إجراءات دقيقة ومستمرة لمراجعة بيانات العاملين بها، ومطابقة المؤهلات والتراخيص مع السجلات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة قبل منح أي طبيب حق ممارسة العمل أو التعامل المباشر مع المرضى.
وتزداد أهمية هذه المسؤولية داخل المؤسسات الطبية الكبرى، إذ تمنح سمعة المنشأة وثقة الجمهور فيها قدرًا كبيرًا من المصداقية لكل من يعمل تحت مظلتها، ما يجعل أي خلل في إجراءات التحقق المهني قضية تمس ثقة المرضى في المنظومة الصحية بأكملها، وليس في فرد بعينه.
وفي ظل التطور الرقمي الذي تشهده القطاعات الحكومية والخدمية، يبرز مقترح إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة تربط بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء والجامعات والجهات الرقابية المختلفة، بما يتيح التحقق الفوري من الوضع القانوني والمهني لأي طبيب أو ممارس صحي، ويحد من فرص التلاعب أو تقديم مستندات غير معتمدة.
كما يرى متخصصون أن تعزيز الشفافية وإتاحة أدوات تحقق إلكترونية للمواطنين قد يسهم في رفع مستويات الثقة، ويمنح المرضى القدرة على التأكد من بيانات الطبيب وتخصصه بشكل مباشر، على غرار ما تطبقه العديد من النظم الصحية الحديثة حول العالم.
اقرأ ايضًا: فرحة تكتمل بصحة آمنة وأسرة مطمئنة.
ورغم أن القضاء حسم الجانب الجنائي في القضية بإصدار حكمه بحق المتهم، فإن الأهمية الحقيقية للواقعة تكمن في الدروس المستفادة منها. فالحفاظ على سلامة المرضى لا يقتصر على معاقبة المخالفين بعد اكتشافهم، بل يعتمد بالأساس على بناء منظومة تحقق قوية وفعالة تمنع وصول غير المؤهلين إلى مواقع تقديم الخدمة الصحية من البداية.
وفي النهاية، تظل الثقة في الطبيب أحد أهم أعمدة العلاقة العلاجية، وهي ثقة لا تُبنى فقط على المهارة والخبرة، بل على وجود منظومة رقابية ومهنية قادرة على ضمان أن من يرتدي المعطف الأبيض يستحق بالفعل المكانة والمسؤولية التي يمنحها له المجتمع.



