بقلم: رجاء ناجي
لم يكن انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية مجرد قرار إداري أو خلاف سياسي عابر، بل خطوة تحمل في طياتها أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة، تتجاوز حدود واشنطن لتطال قرى نائية في إفريقيا، ومستشفيات متهالكة في آسيا، وأنظمة صحية هشة بالكاد تصمد أمام وباء موسمي.
اقرأ ايضًا: بهدوء ، حين يتحوّل المرض إلى طريق للفقر… ولماذا لم تعد الحماية الصحية خيارًا؟
الصحة ليست تفضّلًا من دولة على أخرى، ولا منحة مشروطة بحسابات السياسة والمصالح. الصحة حق أصيل لكل إنسان، كما نصت عليه المواثيق الدولية، وكما أثبتت التجارب المريرة التي عاشها العالم خلال جائحة كورونا. حين انهارت المستشفيات في دولة، ارتجّ العالم كله، وحين انتشر الفيروس في مدينة بعيدة، لم تعصمه الحدود ولا الجوازات.
الدول الكبرى، بما تملكه من موارد وقوة وتأثير، ليست معزولة عن بقية العالم، ودورها في دعم المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، ليس عملًا خيريًا ولا رفاهية سياسية، بل جزء من منظومة الحماية الجماعية للبشرية. فكل دولار يُسحب من برامج التطعيم، وكل مشروع إنذار مبكر يُلغى، قد يتحول غدًا إلى وباء عابر للقارات، يدفع ثمنه الجميع بلا استثناء.
منظمة الصحة العالمية، رغم ما يوجَّه لها من انتقادات، تبقى إحدى الأدوات القليلة التي تحاول تقديم الحد الأدنى من الحماية الصحية لملايين البشر في الدول الفقيرة، من دعم حملات التطعيم، إلى مواجهة الأوبئة، إلى بناء قدرات الأنظمة الصحية. تقليص هذا الدور أو إضعافه لا يعاقب مؤسسة دولية، بل يترك مجتمعات كاملة مكشوفة أمام المرض والموت.
والدليل أمامنا واضح: التغيرات المناخية لا تفرّق بين شمال وجنوب، ولا بين غني وفقير. الفيضانات، موجات الحر، الأمراض المنقولة بالحشرات، كلها تهديدات عابرة للحدود، لا يمكن التعامل معها بمنطق الانسحاب أو الانكفاء. العالم اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأي خلل في طرفه الأضعف سرعان ما ينتقل إلى قلبه الأقوى.
لكن في مقابل هذا الواقع الدولي القلق، تبرز مسؤولية داخلية لا تقل أهمية. فالدول، خاصة النامية، مطالبة بألا تربط أمنها الصحي فقط بتقلبات التمويل الدولي أو مزاج الحكام في العواصم الكبرى. الطريق الحقيقي للأمان الصحي يبدأ من الداخل، عبر بناء أنظمة صحية قوية ومستدامة، وتطبيق سياسات شاملة تضمن الحق في العلاج والرعاية لكل مواطن.
من هنا تبرز أهمية السير قدمًا في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، ليس كخيار إداري، بل كضرورة وجودية. منظومة تحمي المواطن من الفقر بسبب المرض، وتحمي الدولة من الانهيار الصحي وقت الأزمات، وتقلل الاعتماد على الدعم الخارجي الذي قد يتوقف في أي لحظة.
انسحاب دولة كبرى من منظمة دولية لا يجب أن يُقابل بالذعر فقط، بل بإعادة التفكير: كيف نحمي صحة شعوبنا؟ وكيف نُسهم، كلٌ من موقعه، في حماية الصحة العالمية؟ فالأوبئة لا تعترف بالسيادة، والصحة حين تُهمل في مكان، تصبح خطرًا في كل مكان.
بهدوء ، يمكن للعالم أن يدرك أن حماية الصحة ليست خيارًا سياسيًا… بل شرطًا أساسيًا لبقاء الإنسانية نفسها.



