بقلم: رجاء ناجي
بعد نشر تحقيق “أطباء الأسنان في مصر… أزمة تتصاعد بين البطالة وتجارة الشهادات”، بدا واضحًا أن القضية أكبر من تخصص واحد، وأعمق من مجرد أرقام خريجين أو قرارات تكليف. ما تكشّف في هذا الملف ليس أزمة مهنة، بل أزمة منظومة تخطيط كاملة تتكرر ملامحها اليوم في أكثر من قطاع صحي.
أطباء الأسنان في مصر… أزمة تتصاعد بين البطالة وتجارة الشهادات
قصة طبيب الأسنان الشاب الذي يتخرج ليجد نفسه أمام سوق مشبع وتكليف “حسب الحاجة” ودراسات عليا بتكاليف تعجيزية، لا تختلف كثيرًا عن قصص الصيادلة والأطباء البيطريين وأخصائيي العلاج الطبيعي. نفس السيناريو يتكرر: أعداد متزايدة من الخريجين، فرص عمل محدودة، سوق خاص مزدحم، ودولة تفتح أبواب الكليات بلا خريطة واضحة للاحتياج الفعلي.
اقرأ ايضاً: بهدوء ، حين تُدار الصحة بعقل الدولة لا بعجلة اللحظة
في الصيدلة مثلًا، نشهد تضخمًا كبيرًا في أعداد الخريجين سنويًا مقابل سوق عمل لا يتوسع بنفس الوتيرة، وصيدليات تتكدس في الشوارع نفسها، وتنافس يتحول أحيانًا من مهني إلى تجاري بحت. الصيدلي الشاب يجد نفسه يعمل بأجر ضعيف، أو يبحث عن فرصة سفر، أو يترك المجال تمامًا.
وفي الطب البيطري، الصورة أكثر قسوة. أطباء يحملون شهادة جامعية كاملة، لكن فرص التعيين شبه معدومة، والقطاع الخاص محدود، والمزارع الكبرى لها دوائرها المغلقة. كثيرون يعملون في مجالات لا تمت لتخصصهم بصلة، فقط لأن السوق لا يحتمل هذا العدد من الخريجين.
أما العلاج الطبيعي، فالقصة تتكرر بحذافيرها. كليات جديدة، أعداد متزايدة، وتنافس شديد على أماكن التدريب والتوظيف، في وقت لا تزال فيه الثقافة المجتمعية حول أهمية التخصص محدودة، مما يضغط أكثر على سوق العمل.
المشترك بين كل هذه التخصصات ليس ضعف الكفاءة أو سوء التعليم، بل غياب التخطيط طويل المدى. الدولة تفتح كليات، والجامعات تستقبل آلاف الطلاب، دون ربط حقيقي بين التعليم وسوق العمل. لا توجد دراسات دورية معلنة عن الاحتياج الفعلي، ولا سقف واضح للأعداد، ولا تصور متكامل لمسارات التشغيل بعد التخرج.
التحقيق الذي نشرناه عن أطباء الأسنان كشف جرأة غير مسبوقة من النقابة، حين خرجت لتحذر طلاب الثانوية العامة علنًا تحت شعار “فكر قبل ما تقرر”. مجرد وصول النقابة لهذه المرحلة يعني أن الأزمة لم تعد داخلية، بل تهدد مستقبل أجيال كاملة. وهذا المشهد مرشح للتكرار قريبًا في نقابات أخرى إذا استمر نفس المسار.
بهدوء،
الأخطر أن هذه السياسات لا تضر الخريجين وحدهم، بل تمس جودة الخدمة الصحية نفسها. الطبيب أو الصيدلي أو الأخصائي الذي يشعر بعدم الأمان الوظيفي، ويُدفع للبحث عن دخل بأي وسيلة، يصبح أكثر عرضة للإجهاد المهني، وأقل قدرة على التطور والتدريب المستمر، وهو ما ينعكس في النهاية على المريض.
نحن لا نطالب بإغلاق كليات أو حرمان الشباب من حلمهم، بل نطالب بتخطيط حقيقي. نطالب بخريطة وطنية للاحتياجات الصحية، تربط عدد المقبولين في الكليات بعدد الوظائف وفرص التدريب والدراسات العليا. نطالب بتكامل بين وزارات التعليم العالي والصحة والتخطيط، بدل أن يعمل كل طرف في جزيرته.
ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة، بل نتيجة تراكم سنوات من القرارات غير المدروسة. وإذا لم يتم التعامل معها الآن، سنجد أنفسنا بعد سنوات أمام جيل محبط، يحمل شهادات بلا قيمة سوقية، ويشعر أن الدولة التي شجعته على التعليم تخلت عنه عند باب العمل.
بهدوء،
تحقيق أطباء الأسنان كان جرس إنذار. السؤال الآن: هل نسمعه؟ أم ننتظر حتى تدق الأجراس في باقي المهن الطبية واحدة تلو الأخرى؟



