لم يعد الحصول على المعلومة الصحية حكرًا على الطبيب أو المؤسسة العلمية أو الإعلام المتخصص. اليوم، يكفي أن يمتلك شخص هاتفًا محمولًا وعددًا كبيرًا من المتابعين، حتى يتحول في نظر البعض إلى “خبير” يقدم النصائح الطبية، ويصف الأنظمة الغذائية، ويروج للمكملات، بل ويتحدث عن علاج الأمراض المزمنة وكأنه صاحب مرجعية علمية.
المشكلة ليست في انتشار المحتوى الصحي، بل فيمن يصنع هذا المحتوى.
خلال السنوات الأخيرة ظهر ما يمكن أن نطلق عليه “المؤثر الصحي”، وهو في كثير من الأحيان ليس طبيبًا، ولا صيدليًا، ولا متخصصًا في الصحة العامة. قد يكون مدربًا في صالة ألعاب رياضية، أو خبيرًا في اللياقة البدنية، أو حاصلًا على دورة قصيرة في التغذية، أو حتى صانع محتوى وجد في الصحة بابًا واسعًا لتحقيق المشاهدات والأرباح.
وهنا تبدأ الأزمة.
فالمتلقي لا يسأل غالبًا عن المؤهل العلمي، ولا عن المرجعية التي يستند إليها صاحب المحتوى، ولا يعرف إن كانت النصيحة مبنية على دليل علمي أم على إعلان مدفوع. يكفي أن يظهر أمامه شخص يتمتع بالشهرة والثقة حتى يتحول كلامه إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
لقد أصبح “الترند” في كثير من الأحيان أقوى من البحث العلمي، وعدد المتابعين أهم من سنوات الدراسة والخبرة.
الأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء المؤثرين تحولوا إلى منصات تسويق لمنتجات صحية ومكملات غذائية وأدوية مجهولة المصدر، أو غير مرخصة، أو لم تحصل على موافقات الجهات الرقابية. وتُباع هذه المنتجات تحت لافتات براقة مثل “طبيعي 100%” أو “نتائج مضمونة” أو “وصفة سحرية”، بينما قد تحمل في داخلها مخاطر صحية لا يدركها المستهلك.
وللأسف، لم تعد المشكلة مقتصرة على غير المتخصصين فقط، فقد كشفت حملات وزارة الصحة وإدارات العلاج الحر خلال الفترة الأخيرة عن مخالفات خطيرة، شملت منتحلي صفة الأطباء، ومنشآت تروج لعلاجات غير معتمدة، بل وحتى بعض الممارسات الطبية التي استخدمت أدوية أو مستحضرات غير مصرح بها.
كل ذلك يؤكد أننا لا نواجه مجرد تجاوزات فردية، وإنما نعيش حالة من الفوضى الصحية الرقمية.
هذه الفوضى تجد بيئة خصبة في مجتمع يعاني من ضعف الوعي الصحي، حيث يبحث المواطن عن الحل الأسرع، والوصفة الأسهل، ويصدق من يتحدث بثقة، حتى وإن لم يكن يمتلك أي تأهيل علمي.
ومن هنا، فإن المواجهة لا يجب أن تعتمد فقط على الحملات الرقابية والعقوبات القانونية، رغم أهميتها، بل تبدأ من بناء وعي صحي حقيقي لدى المواطنين. وعي يجعل الإنسان يسأل قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن يشتري، ويعرف أن الصحة ليست مجالًا للتجارب أو الدعاية.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام الصحي المهني ضرورة وطنية، وليس رفاهية. فالإعلام الصحي القائم على المصادر العلمية الموثوقة هو القادر على تصحيح المفاهيم، ومواجهة الشائعات، وتبسيط المعرفة الطبية، ومساعدة المواطن على اتخاذ القرار الصحيح بشأن صحته.
بهدوء، نحن اليوم لا نحتاج إلى مزيد من المؤثرين… بل نحتاج إلى مزيد من الموثوقية.
فالكلمة في المجال الصحي قد تنقذ حياة إنسان… وقد تودي بها.
وبين “المؤثر” و”الخبير” فرق كبير، يجب ألا يغيب عن أذهاننا، لأن ثمن الخلط بينهما قد يدفعه مريض يبحث فقط عن الأمل.



