بهدوء ، الأطراف التعويضية… حين تتحول الدولة من العلاج إلى استعادة الإنسان

بقلم: رجاء ناجي

في لحظات بعيدة عن الضجيج، تتكشف بعض القرارات الكبرى التي لا تُقاس بضخامتها الاقتصادية وحدها، بل بعمقها الإنساني. ملف توطين صناعة الأجهزة والأطراف التعويضية في مصر هو أحد هذه الملفات، التي تكشف بوضوح عن تحول نوعي في طريقة تفكير الدولة: من الاكتفاء بعلاج الإصابة، إلى استعادة الإنسان ذاته.

خلال السنوات الأخيرة، تكررت الإشارات الرئاسية والتصريحات الرسمية التي تؤكد أن هذا الملف ليس مشروعًا طبيًا تقليديًا، بل التزامًا وطنيًا تجاه فئات تحملت كلفة جسدية ونفسية باهظة؛ من ضحايا الحوادث، ومرضى الأمراض المزمنة، إلى المصابين في العمليات الإرهابية، وأولئك الذين فقدوا أطرافهم دفاعًا عن الوطن أو أثناء سعيهم للرزق.

الأطراف التعويضية ليست أجهزة جامدة، بل مفاصل حياة. هي الفارق بين العجز والمشاركة، بين الاعتماد الكامل على الآخرين والعودة إلى العمل، وبين العزلة والاندماج. لذلك، فإن توطين هذه الصناعة يحمل دلالة أخلاقية قبل أن يكون إنجازًا صناعيًا.

الرؤية التي يجري تنفيذها اليوم لا تقوم فقط على إنشاء مصانع أو مراكز تركيب، بل على بناء منظومة متكاملة: تصنيع، مواءمة، تأهيل، متابعة، وصيانة. وهي منظومة تعكس فهمًا عميقًا بأن الطرف التعويضي لا يُسلَّم وينتهي دوره، بل يحتاج إلى متابعة مستمرة، وتدريب، وتكيّف مع تطور الحالة الجسدية والنفسية للمريض.

اللافت في هذا التوجه أنه يربط بين الداخل والخارج دون شعارات. فمصر، بحكم موقعها وقدراتها البشرية وتراكم خبراتها الطبية، قادرة على أن تصبح مركزًا إقليميًا لصناعة الأطراف التعويضية، ليس فقط لخدمة مواطنيها، بل لتلبية احتياجات دول أفريقية تعاني من فجوات هائلة في هذا المجال. القارة الأفريقية، التي تضم ملايين المصابين نتيجة الحوادث، والأمراض، والنزاعات، لا تحتاج إلى مساعدات مؤقتة بقدر ما تحتاج إلى حلول مستدامة، ونقل معرفة، وصناعة قادرة على الاستمرار.

وهنا تتضح أهمية ما يجري: الدولة لا تتعامل مع الأطراف التعويضية كملف رعاية اجتماعية، بل كجزء من أمنها الصحي والإنساني. فكل إنسان يُستعاد إلى الحياة والعمل هو طاقة منتجة، وكل منظومة صناعية تُوطَّن هي تقليل للاعتماد الخارجي، وكل خبرة تُبنى هي استثمار طويل الأمد.

كما أن هذا الملف يبعث برسالة غير مباشرة لكنها قوية: أن ضحايا الإرهاب والحوادث ليسوا أرقامًا في تقارير، بل مواطنين لهم حق في أفضل ما وصل إليه العلم، وأن الدولة لا تكتفي بتكريمهم معنويًا، بل تترجم هذا التكريم إلى سياسات وخدمات تعيد لهم استقلالهم وكرامتهم.

بهدوء، يمكن القول إن توطين صناعة الأطراف التعويضية يعكس تحولًا في فلسفة الرعاية الصحية نفسها؛ من علاج المرض إلى تمكين الإنسان، ومن استيراد الحلول إلى صناعتها، ومن رد الفعل إلى التخطيط المسبق. وهو مسار، إذا استمر بنفس العمق والجدية، قد يصبح أحد أكثر الملفات التي تُحتسب للدولة لا بالأرقام فقط، بل بما أعادته من حياة وأمل لملايين الأشخاص.

رجاء ناجي

رئيس تحرير بوابة مصر الصحية

اقرأ ايضًا: بهدوء، تراجع الدعم الدولي وتهديد الحق في الصحة عالميًا

اقرأ ايضًا: بهدوء ، حين تُدار الصحة بعقل الدولة لا بعجلة اللحظة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top