منذ سنوات، تتردد عبارة “توطين صناعة الدواء” في كل مناسبة تتعلق بالصناعة أو الصحة أوالاستثمار. لكن الحقيقة أن ما شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة تجاوز مرحلة الشعارات إلىخطوات عملية على الأرض. فمدينة الدواء “جيبتو”، ومدينة اللقاحات والتكنولوجيا الحيوية،والتطور الملحوظ في أداء هيئة الدواء المصرية، والتوسع في الشراكات مع الشركات العالمية،كلها مؤشرات تؤكد أن الدولة وضعت هذا الملف ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
لكن، ورغم أهمية ما تحقق، فإن ما أُنجز يمثل بداية الطريق، وليس نهايته.
لقد نجحت الدولة في بناء بنية أساسية قوية لصناعة الدواء، واليوم أصبح المطلوب هو الانتقال إلي مرحلة أكثر أهمية وتأثيرًا، وهي بناء منظومة دوائية عالمية قادرة على المنافسة وجذب الاستثمارا والتوسع في التصدير.
تمتلك مصر بالفعل مقومات يصعب تجاهلها. فهي تستحوذ على نحو 30% من خطوط إنتاجالأدوية في أفريقيا، وتضم ما بين 180 و183 مصنعًا لإنتاج الدواء البشري، إلى جانب 138 مصنعًا لمستحضرات التجميل والمطهرات و214 مصنعًا للمستلزمات الطبية، بإجمالي يقارب2368 خط إنتاج مرخصًا. كما تمتلك خبرات تراكمت على مدار عقود، جعلت الصناعة الدوائيةالمصرية من أكبر الصناعات الدوائية في المنطقة العربية والقارة الأفريقية.
لكن امتلاك المصانع لا يعني بالضرورة امتلاك صناعة عالمية.
فالدول التي نجحت في هذا القطاع لم تبنِ مصانع فقط، بل بنت بيئة استثمارية مستقرة،وسرّعت الإجراءات التنظيمية، وشجعت البحث العلمي، واستثمرت في نقل التكنولوجيا،وربطت الصناعة بالتصدير والابتكار.
واليوم، تمتلك مصر فرصة تاريخية لتصبح مركزًا إقليميًا لصناعة الدواء، خاصة في ظل النمو المتسارع لأسواق القارة الأفريقية، وارتفاع الطلب على الدواء، واتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتج المصري فرصة للوصول إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين.
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع إلا إذا انتقلنا إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستماع الي الصناعة.
نحتاج إلى حوار مستمر مع المستثمرين، ومع رؤساء شركات الدواء الوطنية والعالمية، لمعرفة التحديات التي تواجههم والعمل على إزالتها. فالاستثمار لا يبحث فقط عن الحوافز، بل يبحثقبل كل شيء عن الاستقرار، وسرعة اتخاذ القرار، ووضوح الرؤية، والقدرة على التخطيط طويل الأجل .
كما نحتاج إلى جذب المزيد من الاستثمارات في الصناعات الأكثر تقدمًا، مثل الأدوية البيولوجية، والتكنولوجيا الحيوية، والمواد الخام الدوائية الفعالة، لأن القيمة الحقيقية للصناعةلم تعد تقاس بعدد عبوات الدواء المنتجة، وإنما بحجم التكنولوجيا التي تمتلكها الدولة،وقدرتها على الابتكار والتطوير
ولا يقل أهمية عن ذلك، أن يصبح ملف صناعة الدواء حاضرًا بقوة في أجندة الدبلوماسية الاقتصادية المصرية. فحين تتحرك الدولة لفتح أسواق جديدة أو جذب استثمارات كبرى، يجب أن تكون صناعة الدواء ضمن أولوياتها، وأن يشارك في هذه الجهود ممثلو هيئة الدواء المصرية وكبري الشركات الوطنية، بما يعكس جدية الدولة في تحويل مصر إلى قاعدة إقليمية للصناعات الدوائية.
إن صناعة الدواء ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي صناعة ترتبط بالأمن الصحي، والأمن القومي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والصادرات، وفرص العمل. وكل جنيه يُستثمر في هذاالقطاع ينعكس على صحة المواطن، ويعزز الاقتصاد الوطني، ويدعم مكانة مصر الإقليمية.
لقد نجحنا في بناء القاعدة، وحان الوقت للبناء فوقها.
نريد أن تتحول النجاحات الفردية إلى منظومة متكاملة، وأن تتحول المصانع إلى مراكز للابتكار،وأن تتحول الشراكات إلى نقل حقيقي للتكنولوجيا، وأن يتحول الدواء المصري من منتج يلبي احتياجات السوق المحلية إلى علامة جودة تنافس في الأسواق الأفريقية والعربية والعالمية.
لسنا بحاجة إلى بداية جديدة، فالبداية حدثت بالفعل. ما نحتاجه الآن هو الانطلاقة الكبرى.
بهدوء،انطلاقة تجعل الاستثمار في صناعة الدواء أسهل، وأسرع، وأكثر استقرارًا، وتجعل من مصر ليسفقط دولة تُصنّع الدواء، بل دولة تقود صناعة الدواء في المنطقة، وتنافس على مكانتهاالمستحقة في الأسواق العالمية.



