في وقت تخوض فيه الدولة المصرية معركة دقيقة بين ضبط النمو السكاني وتعزيز التنمية البشرية، كشفت أحدث بيانات وزارة الصحة والسكان عن تراجع ملحوظ ومستمر في أعداد المواليد منذ عام 2018 وحتى 2025، في مؤشر يعكس تغيرًا تدريجيًا في سلوك المجتمع تجاه قرار الإنجاب، ويترجم سنوات من العمل المتواصل في ملف تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية.
البيانات الصادرة عن منظومة تسجيل المواليد والوفيات المميكنة، المطبقة في أكثر من خمسة آلاف منشأة صحية على مستوى الجمهورية، ترسم صورة أوضح للتحول الجاري داخل المجتمع المصري، حيث لم يعد الإنجاب قرارًا عفويًا بقدر ما أصبح اختيارًا محسوبًا يرتبط بالقدرة على الرعاية والتعليم وتأمين حياة كريمة للأطفال.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، أن اتجاه التراجع في أعداد المواليد مستمر منذ عام 2018، مشيرًا إلى أن عام 2025 شهد انخفاضًا في معدلات الإنجاب بمعظم محافظات الجمهورية، باستثناء تسع محافظات فقط سجلت زيادات محدودة تراوحت بين 0.3% و5% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس نجاح الجهود الوطنية في مجال تنظيم الأسرة وتوسيع خدمات الصحة الإنجابية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الإنجاب المسؤول.
هذا التراجع لم يأت من فراغ، بل كان نتاجًا مباشرًا لتوسع خدمات تنظيم الأسرة في القرى والمناطق الحضرية، وتكثيف حملات التوعية الصحية، ودمج مفاهيم الصحة الإنجابية داخل وحدات الرعاية الأولية، فضلًا عن تحسن فرص تعليم الفتيات وتأخر سن الزواج نسبيًا، وهو ما ساهم في تغيير أنماط الإنجاب التقليدية.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض معدل الإنجاب الكلي من 3.5 مولود لكل سيدة عام 2014 إلى نحو 2.85 مولود عام 2023، في تحسن واضح مقارنة بعقود سابقة، وإن ظل المعدل أعلى من المتوسط العالمي البالغ نحو 2.3 مولود لكل سيدة، وهو ما يؤكد أن الطريق لا يزال طويلًا لتحقيق التوازن السكاني المستدام.
ورغم هذا التراجع النسبي، أوضح الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة والسكان، أن الزيادة السكانية خلال عام 2025 بلغت نحو 1.34 مليون نسمة، وهو رقم يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في توفير خدمات الصحة والتعليم والإسكان وفرص العمل، حيث تضيف مصر سنويًا عدد سكان يعادل محافظة كاملة تقريبًا، ما يجعل ضبط النمو السكاني شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة.
وفي سياق متصل، كشفت بيانات الوزارة عن استمرار أزمة الولادات القيصرية، التي بلغت نسبتها نحو 80% من إجمالي الولادات خلال عام 2025، وهي من أعلى المعدلات عالميًا مقارنة بنسبة 10 إلى 15% فقط التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، وسجلت محافظات كفر الشيخ وبورسعيد والغربية نسبًا تجاوزت 90%، في حين جاءت أقل النسب في مطروح وجنوب سيناء بأقل من 60%.
ويحذر خبراء الصحة من أن الإفراط غير المبرر طبيًا في العمليات القيصرية يرتبط بمضاعفات صحية خطيرة للأم والطفل، تشمل زيادة مخاطر النزيف والالتهابات وصعوبة الحمل مستقبلًا، إضافة إلى مشكلات تنفسية لدى المواليد، وهو ما دفع وزارة الصحة إلى تكثيف جهودها للحد من القيصريات غير الضرورية من خلال تدريب الفرق الطبية وتفعيل بروتوكولات الولادة الطبيعية الآمنة ورفع وعي السيدات بحقوقهن الصحية.
ولا تنظر الدولة إلى تراجع المواليد باعتباره هدفًا في حد ذاته، بل كجزء من مشروع قومي لبناء الإنسان المصري، حيث يرتبط انخفاض عدد المواليد بتحسين فرص التعليم والرعاية الصحية والتغذية السليمة وتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، وهو ما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية التي تستهدف تحويل النمو السكاني من عبء إلى قوة داعمة للتنمية الاقتصادية.
وأشاد وزير الصحة بدور منظومة التسجيل المميكن في توفير بيانات دقيقة وفورية أصبحت أداة رئيسية لتوجيه السياسات الصحية وتحديد احتياجات المحافظات والتخطيط للخدمات المستقبلية، كما وجه الشكر لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي على دعمها المستمر، مؤكدًا أن البيانات السكانية تمثل ركيزة أساسية لاتخاذ القرار القائم على الأدلة العلمية.
ويعكس التقرير رسالة واضحة مفادها أن مصر لا تخوض معركة ضد الإنجاب، بل معركة من أجل إنجاب مسؤول يضمن لكل طفل حقه في الصحة والتعليم والحياة الكريمة، وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية يصبح ضبط النمو السكاني أحد أهم أدوات حماية الأمن القومي والتنمية البشرية، لتظل المعادلة واضحة: عدد أقل وجودة حياة أعلى



