بقلم: رجاء ناجي
بهدوء.. ودون صخب، يواجه الآلاف من خريجي كليات “القمة” (طب الأسنان، الصيدلة، والعلاج الطبيعي) واقعاً مأزوماً لم يختاروه. هؤلاء الشباب الذين سهروا الليالي في كليات تتطلب جهداً ذهنياً ومادياً خرافياً، يجدون أنفسهم اليوم أمام “شبح البطالة” أو في أحسن الأحوال “تأخر التكليف” الذي أصبح يستوعب أقل من نص الدفعة، والسبب ببساطة: غياب التنسيق وسوء التخطيط.
الأرقام لا تكذب؛ فوزارة الصحة أعلنت صراحة أن التكليف مرتبط بـ “الاحتياج”، والواقع يقول إن أعداد الخريجين فاقت الاحتياج بمراحل. وهنا نضع يدنا على الجرح الغائر: كيف تفتح وزارة التعليم العالي الباب على مصراعيه لإنشاء جامعات خاصة وأهلية دون دراسة حقيقية لمتطلبات سوق العمل؟ وكيف يُسمح بتخريج دفعات لا تجد مكاناً للتدريب، ناهيك عن التوظيف؟
إن استمرار “الجزر المنعزلة” في العمل الوزاري هو الخطر الحقيقي. وزارة التعليم العالي تتوسع في الإنشاء وتمنح التراخيص لجامعات بعضها يفتقر حتى لمستشفيات جامعية لائقة للتدريب، ووزارة الصحة تجد نفسها في مواجهة “جيوش من الخريجين” لا تملك ميزانية ولا أماكن لاستيعابهم. والنتيجة؟ “إهدار بشري” لثروة قومية هم في الأصل متفوقو هذا المجتمع.
الأزمة لا تتوقف عند التكليف، بل تمتد لتصبح “مستحيلاً” في الدراسات العليا. فأن يصل تكلفة الماجستير في بعض الجامعات والبرامج إلى 800 ألف جنيه، هو إعلان رسمي بأن “العلم لمن يملك المال فقط”، وليس لمن يملك الكفاءة. هذا الرقم ليس مجرد تكلفة دراسة، بل هو حائط صد يمنع أبناء الطبقة المتوسطة من التطوير المهني، ويحول حلم التخصص إلى كابوس بعيد المنال.
إن إنشاء جامعات دون مستشفيات تعليمية حقيقية ليس “تطويراً للتعليم”، بل هو تجارة تهدد “مهنة الطب” في جوهرها. فمن يتخرج دون تدريب عملي كافٍ هو قنبلة موقوتة في وجه المنظومة الصحية مستقبلاً.
المنقذ الوحيد هو العمل في مسار واحد؛ “مجلس أعلى للتخطيط الصحي” يربط بين عدد الداخلين لكليات القمة وبين احتياجات الدولة الفعلية وقدرتها الاستيعابية للدراسات العليا. لا يعقل أن ندفع بالشباب إلى كليات القمة ثم نتركهم في القاع يواجهون مجهول التكليف وغلاء الدراسات العليا.
هؤلاء الشباب هم “زهره المجتمع”.. وقبل أن نبحث عن هجرة الأطباء، علينا أن نسأل أنفسهم أولاً: هل وفرنا لهم مكاناً آمناً للعمل والنمو داخل وطنهم؟
إن إصلاح المنظومة يبدأ من التنسيق، وينتهي باحترام كرامة الطبيب ومستقبله.


