في خطوة تؤكد التزام الدولة بتوطين الخدمات الطبية عالية التخصص في أقاليم مصر كافة، أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية عن إضافة خدمة نوعية هي الأولى من نوعها في محافظة أسوان، وتحديداً في مستشفى دراو المركزي. لم يعد مرضى العمود الفقري بحاجة لتحمل مشقة وعناء السفر إلى المحافظات الكبرى لإجراء جراحات دقيقة كـ “تثبيت الفقرات”، حيث أصبحت هذه الخدمة متاحة ضمن مظلة التأمين الصحي الشامل، لتغير بذلك مفهوم الرعاية التخصصية في جنوب الصعيد. هذا التطور لا يمثل إضافة خدمية فحسب، بل يؤكد فعالية المنظومة الجديدة في تقليل الأعباء المالية عن المنتفعين، إذ تكلفت العملية الواحدة أقل من 500 جنيه في حين يتجاوز سعرها الأصلي 110 آلاف جنيه.
توطين التخصص: نقل العمليات المتقدمة إلى أسوان
تأتي إضافة خدمة تثبيت الفقرات بمستشفى دراو المركزي ضمن استراتيجية الهيئة العامة للرعاية الصحية الهادفة إلى توطين الخدمات الطبية عالية التخصص داخل محافظات تطبيق المنظومة. وأكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة، أن الهدف الأساسي هو تقليل الحاجة إلى إحالة المرضى خارج نطاق محافظاتهم، وضمان حصول المواطنين على خدمات علاجية متقدمة بالقرب من محل إقامتهم. ويتم دعم المستشفيات بأحدث التجهيزات الطبية وتأهيل مستمر للكوادر وفق أعلى معايير الجودة وسلامة المرضى.
يُشير تحليل الأداء إلى الدور الحيوي الذي يلعبه مستشفى دراو، فمنذ انضمامه لمنظومة الهيئة، شهد تقديم أكثر من 103 آلاف خدمة طبية متنوعة، ما بين خدمات علاجية وتشخيصية وطوارئ وعمليات، ليصبح مركزاً حيوياً يلبي الاحتياجات الصحية لأهالي مركز دراو والمناطق المجاورة.
الفارق الاقتصادي: حماية اجتماعية من تكلفة الجراحة
تُعد الأرقام الخاصة بالتكلفة هي أبرز ما يعكس القيمة المضافة للتأمين الصحي الشامل، حيث أوضح رئيس الهيئة أن تكلفة إجراء عملية تثبيت الفقرات خارج التغطية الصحية الشاملة تتجاوز 110 آلاف جنيه. وفي المقابل، يحصل المنتفع على الخدمة داخل المنظومة الشاملة مقابل 482 جنيهًا فقط، وهو مبلغ رمزي يشمل الإقامة وكافة الخدمات الطبية المتكاملة. هذا الفارق الهائل يؤكد البُعد الاجتماعي للمنظومة ودورها في توفير حماية مالية شاملة للمواطنين من عبء النفقات الطبية الكارثية
منذ انطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل في أسوان، شهدت منشآت الهيئة بالمحافظة إجراء 39 عملية تثبيت فقرات، وبمعدلات نجاح تضاهي النسب العالمية، وهو ما يعكس التطور الملحوظ في مستوى خدمات جراحات العمود الفقري وقدرة الفرق الطبية على تنفيذ التدخلات الدقيقة والمعقدة. كما أضاف الدكتور السبكي أن محافظة أسوان شهدت خلال الستة أشهر الأولى من تطبيق المنظومة إجراء نحو 30 ألف عملية وتدخل جراحي، وتُمثل العمليات المتقدمة وذات المهارة منها نحو 35%، مما يؤكد حجم التطور النوعي في مستوى الخدمات الصحية المُقدمة لأهالي إقليم جنوب الصعيد
أول عملية: نموذج حي للتحول الخدمي
شهد مستشفى دراو المركزي إجراء أول عملية تثبيت فقرات ضمن الخدمة المستحدثة، تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد سلمان، أستاذ مساعد جراحة العظام، وبمشاركة فريق طبي متكامل.
الدكتور محمد عبد الهادي، مدير فرع الهيئة بأسوان، أوضح أن العملية أجريت لحالة كانت تعاني من آلام شديدة بالظهر وصعوبة في الحركة نتيجة الضغط على الأعصاب بالفقرات القطنية. وقد تم إزالة الضغط عن الأعصاب المتأثرة ثم تثبيت الفقرات المصابة باستخدام دعامات ومسامير طبية دقيقة لإعادة الثبات الطبيعي للعمود الفقري. وأكد عبد الهادي أن الحالة شهدت تحسنًا ملحوظًا عقب الجراحة، وبدأت في استعادة قدرتها على الحركة والوقوف تدريجياً.
يُمثل توطين جراحات العمود الفقري المتقدمة في صعيد مصر نقطة تحول مفصلية، مؤكداً أن منظومة التأمين الصحي الشامل ليست مجرد تغطية، بل هي جسر لإتاحة الجودة التخصصية وتقريب الخدمات المعقدة من المواطنين في مختلف المحافظات. إن الأرقام المُعلنة، سواء من حيث عدد العمليات المُنجزة أو الفارق الاقتصادي الهائل الذي تتحمله المنظومة (من 110 آلاف جنيه إلى 482 جنيهاً)، تُرسخ البُعد التنموي والاجتماعي للمنظومة كأحد أهم ركائز العدالة الصحية في الجمهورية الجديدة



