بينما كانت أوروبا حتى تسعينيات القرن الماضي هي المختبر الأول للعالم، تواجه القارة العجوز اليوم لحظة فارقة قد تجردها من سيادتها الدوائية. فبين ضغوط سياسات ترامب التجارية وبين الزحف الصيني السريع في قطاع التكنولوجيا الحيوية، تبدو شركات الأدوية الأوروبية محاصرة داخل غابة من التعقيدات التنظيمية والتمويلية.
اقرأ ايضًا: الدواء بين العلاج والبيزنس.. هل تستخدم شركات الأدوية نفوذها للضغط على الحكومات؟
1. انكماش النفوذ: من الـ 50% إلى حافة الهاوية
تكشف البيانات عن تراجع دراماتيكي في قدرة أوروبا على المنافسة في قطاع البحث والتطوير،
في عام 1990: كانت أوروبا تستحوذ على 50% من الإنفاق العالمي على الابتكار الدوائي.
اليوم: هوت هذه الحصة إلى 26% فقط، في حين قفزت الولايات المتحدة لتسيطر على 55% من الإنفاق العالمي، مدعومة بسياسات تسعير مرنة وتمويل ضخم للابتكار.
2. “التنين” يقتحم المختبرات: قفزة الجزيئات الصينية
لم يعد الصعود الصيني مقتصراً على التصنيع، بل انتقل إلى صلب الابتكار الجزيئي:
قبل عقد واحد، كانت الجزيئات الدوائية المطورة في الصين تمثل 4% فقط من خطوط الإنتاج العالمية.
المشهد الحالي: الصين تساهم الآن بنحو ثلث (33%) الجزيئات المبتكرة عالمياً، مما يعكس تحولاً جذرياً في مراكز القوى العلمية من الغرب إلى الشرق.
3. المعضلة الأوروبية: لوائح معقدة وأسواق مشتتة
تشتكي شركات الأدوية الكبرى في أوروبا (مثل “سانوفي” و”نوفارتس” و”باير”) من ثلاثة عوائق هيكلية:
بيروقراطية بروكسل: القواعد التنظيمية المعقدة تؤخر طرح الأدوية الجديدة مقارنة بـ “إدارة الغذاء والدواء الأمريكية” (FDA).
تفتت الأسواق: غياب سياسة تسعير وتعويض موحدة بين دول القارة يُصعّب على الشركات استعادة تكاليف الأبحاث المليارية.
فجوة التمويل: ضعف تدفقات رأس المال المخاطر (Venture \: Capital) مقارنة بوادي السيليكون، مما يدفع الشركات الناشئة للهجرة خارج القارة.
4. ضغوط “ترامب” والسيادة الدوائية
تزيد السياسات التجارية لترامب من تعقيد المشهد، حيث تلوح واشنطن بسياسات تسعيرية قد تؤثر على هوامش ربح الشركات الأوروبية في السوق الأمريكي (الأكبر عالمياً)، في الوقت الذي تحاول فيه الصين تقديم إغراءات لجذب التجارب السريرية الكبرى إلى أراضيها.
5. السباق نحو “القرار الأخير”
رغم محاولات الاتحاد الأوروبي لتبسيط قواعد التجارب السريرية، إلا أن خبراء القطاع يرون أن هذه الخطوات “بطيئة وقليلة”. فالتنافسية لا تتطلب فقط تبسيط الورق، بل تحتاج إلى:
ضخ استثمارات ضخمة في التكنولوجيا الحيوية.
تسريع وتيرة التعويضات المالية للأدوية المبتكرة.
خلق “سوق دواء موحدة” فعلياً تضاهي السوق الأمريكية.



