صناعة الدواء المصرية.. الحقيقة من داخل هيئة الدواء
اجرت الحوار: رجاء ناجي
في وقت تتسارع فيه خطوات الدولة نحو تعزيز الأمن الدوائي، يؤكد الدكتور ياسين رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن الصناعة المحلية تعيش مرحلة توسع غير مسبوقة، سواء على مستوى الإنتاج أو التصدير أو ضبط السوق، وأن كثيرًا مما يُثار حول رفع أسعار الأدوية في مصر لا يعكس الواقع الفعلي.
يقول د. ياسين إن الصناعة الدوائية شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة حقيقية، حيث وصلت مصر إلى نسبة تصنيع محلي تقترب من 94% من احتياجاتها، وهي من أعلى نسب الاكتفاء عالميًا. وتعمل داخل السوق أكثر من 179 مصنعًا ونحو 800 خط إنتاج بطاقة تتجاوز 8 مليارات وحدة دوائية سنويًا، بينما يحتاج السوق المحلي إلى أقل من نصف هذه الكمية، ما يتيح مجالًا واسعًا للتصدير ودخول أسواق جديدة.
وحول ملف النواقص الدوائية، يشير مساعد رئيس الهيئة إلى أن مصر كانت تعاني من نقص يقارب ثلاثة آلاف صنف قبل سنوات، لكن هذا الرقم تراجع اليوم إلى نحو مئتي صنف فقط، وهو معدل طبيعي في أي سوق دوائي كبير، مؤكدًا أن الهيئة تتابع حركة السوق يوميًا وتتدخل فور حدوث أي مشكلة في المواد الخام أو خطوط الإنتاج، وأن أغلب أسباب النواقص مرتبطة بعوامل مؤقتة يتم حلها في وقت قصير.

أما ما يُثار حول وجود ضغوط من شركات الدواء لرفع الأسعار، فيؤكد د. ياسين أنه غير صحيح تمامًا، موضحًا أن الهيئة لا تتعامل وفق رغبات الشركات، ولا تتخذ قرارات جماعية أو سياسية في التسعير، بل تعتمد على دراسات فنية واقتصادية دقيقة تضمن استمرار الإنتاج وحماية حق المريض في الحصول على دواء بسعر مناسب، خاصة في الأصناف الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة.
ويضيف أن الحديث عن خروج شركات من السوق المصري غير دقيق، بل العكس هو الصحيح؛ فشركات عالمية كبرى توسّع استثماراتها داخل مصر وتؤسس خطوط إنتاج جديدة، نظرًا لجاذبية السوق المصري الذي يعد من أكبر أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفيما يتعلق بملف التصدير، يكشف د. ياسين أن مصر حققت صادرات دوائية بقيمة تقارب مليار دولار العام الماضي، مع خطة لرفع الرقم إلى ملياري دولار بحلول عام 2030، مستفيدة من دخول الدواء المصري إلى أكثر من 150 دولة، ومن ثقة دولية تعزّزت بعد حصول مصر على “التصنيف الأخضر” من منظمة الصحة العالمية، وهو تصنيف نادر يمنح لهيئات تنظيم دوائي ذات بنية رقابية قوية.
ويؤكد مساعد رئيس الهيئة أن الرقابة على سوق الدواء تشهد تشديدًا غير مسبوق، فقد نفّذت الهيئة أكثر من مئة ألف حملة تفتيشية خلال عام واحد، وضبطت كيانات غير مرخصة، وأغلقت عشرات المخازن التي تتاجر في أدوية مغشوشة، وسحبت أكثر من عشرين مليون عبوة غير صالحة للتداول بالتعاون مع شركات الإنتاج والصيدليات. كما تعمل الهيئة على الانتهاء من نظام التتبع الدوائي، الذي يراقب حركة كل عبوة دواء من المصنع وحتى المريض، وهو ما سيغيّر شكل الرقابة في مصر ويقضي على الغش والتهريب.
ويختتم د. ياسين حديثه برسالتين؛ الأولى للمواطنين، داعيًا إلى عدم الإسراف في استخدام الأدوية والمضادات الحيوية دون حاجة طبية، لأن الاستهلاك في مصر أعلى من المعدلات الأفريقية، والتزام المواطن جزء أساسي من الحفاظ على فعالية الدواء. أما الرسالة الثانية فهي للمستثمرين، مؤكدًا أن مصر بيئة جاذبة للقطاع الدوائي، وأن السنوات المقبلة ستشهد توطينًا أكبر للأدوية الحيوية والبيولوجية ودعمًا أوسع للصناعة الوطنية.
ويؤكد أن الصناعة الدوائية في مصر لم تعد مجرد قطاع إنتاجي، بل أصبحت أحد أعمدة الأمن القومي وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد، تقف الآن على أعتاب مرحلة توسع غير مسبوقة على المستويين المحلي والدولي.



