في إطار المتابعة الدورية لأحد أكبر مشروعات الإصلاح الصحي في تاريخ مصر، عقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اجتماعًا موسعًا بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة الموقف التنفيذي لتطبيق المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، بحضور قيادات الملفين الصحي والمالي، ورؤساء الهيئات المعنية بتنفيذ المنظومة.
الاجتماع عكس بوضوح أن التأمين الصحي الشامل لم يعد مشروعًا خدميًا فحسب، بل خيارًا استراتيجيًا للدولة، يرتبط بالعدالة الاجتماعية، والأمن الصحي، والاستدامة المالية على المدى الطويل.
اقرأ ايضا: استثمار 3.5 مليون جنيه يعزّز جراحات العيون بجنوب سيناء
توجيهات رئاسية بتسريع التنفيذ في جميع المحافظات
أكد رئيس مجلس الوزراء أن الدولة تضع منظومة التأمين الصحي الشامل على رأس أولوياتها، تنفيذًا لتوجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالإسراع في تطبيق المنظومة بجميع مناطق الجمهورية، والعمل على ضم أكبر عدد من المحافظات تباعًا. وأوضح مدبولي أن المرحلة الثانية تضم خمس محافظات هي: المنيا، مطروح، دمياط، كفر الشيخ، وشمال سيناء، مع دراسة ضم محافظة الإسكندرية، مشيرًا إلى أن التوسع الجغرافي يرتبط بشكل مباشر بضمان الاستدامة المالية للمنظومة وقدرتها على الاستمرار بنفس مستوى الجودة.
موارد إضافية للتأمين الصحي و“حياة كريمة“
وخلال الاجتماع، طالب رئيس الوزراء وزير المالية بتوفير موارد إضافية أو استثنائية لكل من منظومة التأمين الصحي الشامل والمبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، مؤكدًا أن هذين الملفين يحظيان باهتمام مباشر من المواطنين، وهو ما يلمسه خلال زياراته الميدانية، خاصة في القرى التي بدأت تستفيد من هذه الخدمات.
من جانبه، أكد وزير المالية أن موازنة العام المالي المقبل ستشهد زيادة في المخصصات المالية للمنظومتين، بما يسهم في زيادة أعداد المستفيدين من التأمين الصحي الشامل، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة في القرى والمناطق المختلفة.
التخطيط الصحي لمحافظات المرحلة الثانية
قدم الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة والسكان، عرضًا تفصيليًا للتخطيط الصحي بمحافظات المرحلة الثانية، موضحًا أنه تم البدء الفوري في إجراءات تجهيز محافظة المنيا لتطبيق المنظومة، مع إعادة المرور على المنشآت والوحدات الصحية في المحافظات الخمس، إضافة إلى محافظة الإسكندرية، لإعادة تقييم جاهزيتها.
وأشار الوزير إلى أن الرعاية الصحية الأولية تمثل حجر الأساس في المنظومة، حيث يتم ربط كل عيادة طب أسرة بنحو 5 آلاف مواطن، بينما تخدم الوحدة الصحية نحو 20 ألف مواطن، ويقدم مركز طب الأسرة خدماته لما يقرب من 40 ألف مواطن، مع التوسع في عدد العيادات لتغطية ما بين 60 و80 ألف مواطن في النطاق الجغرافي الواحد.
المستشفيات ومعايير التخطيط الصحي
فيما يخص منشآت الرعاية الثانوية والثالثية، أوضح وزير الصحة أن التخطيط يعتمد على تخصيص سرير حكومي واحد لكل ألف نسمة، مع مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات العلاجية بنسبة لا تتجاوز 30 إلى 40% من إجمالي الأسرة، وبما يحافظ على الدور الرئيسي للدولة في تقديم الخدمة.
وأشار إلى أن التخطيط يراعي التوزيع العادل للخدمات الحيوية مثل الغسيل الكلوي، وعلاج الأورام، والعناية المركزة، والقساطر القلبية، إلى جانب الالتزام الكامل بمعايير الجودة والاعتماد، وتوفير القوى البشرية اللازمة، ودراسة الاحتياجات السكانية لكل محافظة وكل منطقة داخلها.
خريطة المستشفيات: 69 مستشفى وأكثر من 11 ألف سرير
استعرض الوزير تصنيف المستشفيات المقترحة بالخطة التنفيذية لمحافظات المرحلة الثانية، والتي تشمل خمس مستشفيات معتمدة من الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية بعدد 542 سريرًا، و11 مستشفى ضمن مشروعات «حياة كريمة» تحت الإنشاء بتصميمات معتمدة بعدد 1651 سريرًا، إضافة إلى 22 مستشفى حديثة تحتاج إلى تقييم أو اعتماد بعدد 1957 سريرًا.
كما تشمل الخطة 14 مستشفى تحتاج إلى تطوير جزئي أو شامل بعدد 2147 سريرًا، و17 مستشفى ومجمعًا طبيًا جديدًا بالكامل بعدد 5130 سريرًا، ليصل إجمالي المستشفيات إلى 69 مستشفى بإجمالي 11427 سريرًا، إلى جانب 669 وحدة ومركز رعاية أولية، منها 516 منشأة ضمن المرحلة الثانية من مبادرة “حياة كريمة”.
المنيا: إعادة تقييم شاملة ومشروعات قيد التنفيذ
في محافظة المنيا، أوضح وزير الصحة أنه تم المرور على 110 منشآت صحية بمشاركة جميع الجهات المعنية، شملت 32 مستشفى من القطاع العلاجي وأمانة المراكز والتأمين الصحي وجامعة المنيا والقوات المسلحة، إضافة إلى المرور على 58 منشأة رعاية أولية و20 منشأة صحية خاصة.
وتشمل المشروعات الجارية بالمحافظة مستشفيات العدوة، وبني مزار، وأبو قرقاص، ومطاي، ومغاغة، والمنيا الجديدة، حيث يبلغ عدد الأسرة بمستشفى العدوة المركزي 137 سريرًا، مع تحقيق معدلات تنفيذ متقدمة في باقي المشروعات.
شمال سيناء: أولوية الطوارئ والرعاية الأولية
في شمال سيناء، تم المرور على 80 منشأة صحية، شملت 8 مستشفيات تابعة للقطاع العلاجي وأمانة المراكز والقوات المسلحة، و66 منشأة رعاية أولية، و6 مستشفيات خاصة. وتشمل المشروعات الجارية مستشفى إصابات وطوارئ رمانة، ومستشفى إصابات وطوارئ بغداد، ومبنى الغسيل الكلوي بمستشفى العريش العام، حيث تم الانتهاء من المرحلة الأولى بمستشفى رمانة، مع نسب تنفيذ متقدمة في المشروعات الأخرى.
مطروح: تخطيط إقليمي دقيق
في محافظة مطروح، تم المرور على 40 منشأة صحية، بينها 20 مستشفى تابعة للقطاع العلاجي وأمانة المراكز والقوات المسلحة، و16 منشأة رعاية أولية، و4 مستشفيات خاصة. وتنقسم المحافظة إلى قطاعات صحية تشمل العاصمة بطاقة 716 سريرًا، والساحل الشمالي 278 سريرًا، والساحل الحدودي 237 سريرًا، وواحة سيوة 60 سريرًا، مع تنفيذ مشروع مستشفى العلمين الجديدة على مساحة 16800 متر مربع.
كفر الشيخ ودمياط: إعادة تقييم وتطوير مستمر
أشار وزير الصحة إلى بدء إعادة تقييم المنشآت الصحية بمحافظة كفر الشيخ وفقًا لقرار مجلس الوزراء، مع تنفيذ مشروعات تشمل مستشفيات الحامول ومطوبس والرياض المركزي. كما يجري البدء في إعادة تقييم منشآت محافظة دمياط، مع تنفيذ مشروع مستشفى فارسكور.
التحول الرقمي والمخصصات الاستثمارية
ناقش الاجتماع الخطة التنفيذية لتجهيز منشآت محافظات المرحلة الثانية، وموقف الإسناد الجديد لمنشآت الرعاية الأولية، إلى جانب متابعة التحول الرقمي للمنشآت الصحية، واستعراض المخصصات الاستثمارية للأعوام 2025–2026 لتجهيز هذه المنشآت.
المؤشرات المالية: 5.2 مليون مستفيد حتى الآن
استعرض الدكتور إيهاب أبو عيش، نائب رئيس هيئة التأمين الصحي الشامل، مؤشرات الأداء المالي حتى 30 نوفمبر 2025، مشيرًا إلى وصول عدد المستفيدين إلى 5.2 مليون مواطن في ست محافظات، بمتوسط نسبة تسجيل بلغت 81.7% من إجمالي السكان، فيما بلغت نسبة غير القادرين 16% من المسجلين.
وأوضح أن نسبة مشاركة القطاع الخاص بلغت 31% من مقدمي الخدمة، إضافة إلى 13% من جهات أخرى، ليصل إجمالي مقدمي الخدمة إلى 526 جهة.
المرحلة الثانية: 13 مليون منتفع مستهدف
من جانبه، أكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن المرحلة الثانية تستهدف نحو 13 مليون منتفع، وتعتمد على محاور متكاملة تشمل البنية التحتية ونقل الأصول، والتجهيزات الطبية، والتحول الرقمي، والموارد البشرية، واستكمال تسجيل المنتفعين، واعتماد المنشآت، وقياس رضا المواطنين، وإدارة سلاسل الإمداد للأدوية والمستلزمات.
الجودة والاعتماد: شرط أساسي للاستمرار
بدوره، استعرض الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، موقف المنشآت الطبية المعتمدة، موضحًا نسب الاعتماد في المحافظات المستهدفة وفق جهة التبعية، باعتبار الجودة والاعتماد عنصرًا أساسيًا في نجاح واستدامة المنظومة.
نحو 2030: رؤية طويلة المدى
وفي ختام الاجتماع، وجّه رئيس الوزراء بإعداد دراسة متكاملة لمنظومة التأمين الصحي الشامل حتى عام 2030، مع تحديث الدراسة الاكتوارية، لضمان استدامة التمويل واستمرار تقديم الخدمات الصحية بأعلى مستوى من الجودة والكفاءة.
خلاصة: بوابة مصر الصحية
المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل تمثل انتقالًا من “التجربة” إلى “التعميم”، ومن الإصلاح الجزئي إلى إعادة بناء شاملة للمنظومة الصحية. الأرقام تكشف حجم المشروع، والتحدي الحقيقي يبقى في تحقيق معادلة دقيقة بين التوسع، والجودة، والاستدامة.



