علي إبراهيم باشا… الطبيب الذي استعاد الطب المصري من الوصاية الأجنبية

علي إبراهيم باشا… الطبيب الذي استعاد الطب المصري من الوصاية الأجنبية

أسطورة علمية أعادت لقصر العيني هويته الوطنية

لم يكن علي إبراهيم باشا مجرد جراح بارع أو عميد ناجح لكلية الطب، بل كان نقطة تحوّل حقيقية في تاريخ الطب المصري الحديث. ففي لحظة تاريخية ظل فيها القرار العلمي والطبي مرتهنًا للهيمنة الأجنبية، جاء هذا الطبيب المصري ليقود واحدة من أهم معارك الاستقلال العلمي: تحرير قصر العيني من الوصاية، وإعادة بناء التعليم الطبي على أسس وطنية، دون أن يتخلى عن المعايير العالمية أو الصرامة الأكاديمية.

بعد نحو قرن كامل من تأسيس مدرسة الطب الحديثة في مصر على يد كلوت بك، لم تكن المعركة التي خاضها علي إبراهيم باشا معركة إنشاء، بل معركة استرداد. استرداد اللغة، والقرار، والثقة في الطبيب المصري، وإعادة تعريف العلاقة بين العلم والمجتمع.

من الهامش إلى الصدارة: نشأة صنعتها الإرادة لا الامتياز

وُلد علي إبراهيم باشا في نهاية القرن التاسع عشر لأسرة بسيطة، في مجتمع كان التعليم الطبي فيه حكرًا على الطبقات القادرة. لم يكن الفقر عنصرًا دراميًا في سيرته، بقدر ما كان واقعًا قاسيًا فرض عليه الانضباط والعمل المضاعف. داخل كلية طب قصر العيني، برز سريعًا بفضل نبوغه الأكاديمي ومهارته الجراحية الاستثنائية، ليصنع لنفسه مكانة لم تأتِ بالمجاملة ولا بالانتماء، بل بالكفاءة وحدها.

تميّز علي إبراهيم منذ بداياته بسمات نادرة في ذلك الزمن: دقة علمية صارمة، التزام أخلاقي، وهدوء عملي لا يعرف الاستعراض. لم يكن صوته الأعلى، لكنه كان الأكثر حضورًا في غرف العمليات وقاعات التعليم، وهو ما جعله محل احترام واسع بين زملائه وطلابه.

قصر العيني قبل الاستقلال: مؤسسة عظيمة بلا قرار مصري

قبل صعود علي إبراهيم باشا إلى مواقع القيادة، كانت كلية طب قصر العيني تعيش تناقضًا عميقًا. فهي مؤسسة طبية رائدة في الشرق الأوسط، لكنها تُدار بعقل أجنبي، وتُدرّس غالبًا بلغات غير عربية، ويُنظر فيها إلى الطبيب المصري بوصفه تابعًا لا قائدًا، منفذًا لا صانع سياسة تعليمية أو بحثية.

انعكس هذا الوضع على التعليم والبحث العلمي، حيث ظل كثير من القضايا الصحية المصرية بلا دراسة كافية، بينما ارتبطت أولويات البحث بأجندات لا تعكس بالضرورة احتياجات المجتمع. لم يكن الخلل في الكفاءات، بل في غياب التمكين والثقة.

لحظة فاصلة: أول عميد مصري لكلية طب قصر العيني

حين تم تعيين علي إبراهيم باشا عميدًا لكلية الطب، لم يكن ذلك مجرد تغيير إداري، بل لحظة كسر تاريخية لاحتكار دام عقودًا. للمرة الأولى، يتولى مصري خالص قيادة أعرق مؤسسة طبية في البلاد.

واجه القرار مقاومة صامتة، وتشكيكًا في قدرة المصريين على إدارة التعليم الطبي وفق المعايير الدولية. لكن علي إبراهيم باشا لم يرد بالخطابة أو الصدام، بل بإعادة تنظيم المؤسسة من الداخل، وفرض نظام صارم للتدريس والتدريب، وربط التعليم بالممارسة الإكلينيكية الواقعية، ورفع مستوى الانضباط الأكاديمي.

تعريب الطب: حين تصبح اللغة جزءًا من الاستقلال العلمي

إحدى أهم معارك علي إبراهيم باشا كانت معركة اللغة. فقد آمن بأن العلم لا يفقد قيمته حين يُدرّس بلغة الوطن، بل يزداد رسوخًا وانتشارًا وتأثيرًا. أطلق مشروعًا واعيًا لتعريب التعليم الطبي، قائمًا على مصطلحات علمية دقيقة ومراجع منضبطة، بعيدًا عن التبسيط أو العشوائية.

كان القرار صادمًا للبعض في بيئة ربطت الجودة باللغات الأوروبية، لكنه فتح الباب أمام أجيال من الأطباء لفهم أعمق للعلم، والتواصل الإنساني المباشر مع مرضاهم، دون حواجز لغوية أو ثقافية.

الجراحة كعلم… والطب كرسالة

رغم شهرته كأحد أعلام الجراحة في مصر، لم يكن علي إبراهيم باشا طبيب غرفة عمليات فقط. كان يرى الطب رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهارة تقنية. انحاز بوضوح إلى المرضى الفقراء، واعتبر المستشفيات التعليمية جزءًا من حق المجتمع، لا امتيازًا طبقيًا.

في فلسفته، لم يكن نجاح الجراحة يُقاس فقط بنجاة المريض، بل باحترام إنسانيته وكرامته، وفهم ظروفه الاجتماعية والنفسية. رؤية سبقت عصرها، ولا تزال حتى اليوم جوهر مفهوم الرعاية الصحية الشاملة.

إصلاح هادئ… وتأثير عميق

لم يكن علي إبراهيم باشا ثوريًا بالمعنى الصدامي، بل إصلاحيًا عميق الأثر. فتح الطريق أمام الأطباء المصريين لتولي مواقع القيادة، ورسّخ فكرة الطبيب الباحث، وربط الجامعة بالمستشفى، والتعليم بالاحتياجات الصحية الحقيقية للمجتمع.

هذه المبادئ لم تكن شعارات، بل تحولت إلى بنية مؤسسية استمرت بعده، وشكّلت الأساس الذي بُني عليه التعليم الطبي الحديث في مصر.

إرث لا يزال حيًا رغم الغياب

رغم عمق تأثيره، لا يحظى اسم علي إبراهيم باشا بالمساحة التي يستحقها في الذاكرة العامة. ربما لأن إنجازاته جاءت عبر تراكم هادئ لا لحظة درامية واحدة، وربما لأن معاركه كانت مؤسسية أكثر منها سياسية.

لكن الحقيقة أن كل طبيب مصري يتولى اليوم موقع قيادة، وكل طالب طب يدرس بلغته، وكل مستشفى تعليمي يربط العلم بالمجتمع، إنما يتحرك على طريق مهدّه علي إبراهيم باشا قبل عقود.

لماذا نعيد قراءة علي إبراهيم باشا اليوم؟

في زمن تتجدد فيه أسئلة الهوية العلمية، وتتصاعد فيه أهمية توطين المعرفة وبناء الأنظمة الصحية الوطنية، تبدو تجربة علي إبراهيم باشا أكثر راهنية من أي وقت مضى. فهي تذكير بأن الاستقلال العلمي لا يقل أهمية عن الاستقلال السياسي، وأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء المؤسسات.

علي إبراهيم باشا لم يكن مجرد طبيب ناجح، بل مشروع وعي، ورمزًا لتحرر الطب المصري من الوصاية، وبداية مرحلة امتلك فيها المصريون قرارهم العلمي والطبي.

معلومات إضافية:

علي إبراهيم عطا (1880-1947) هو طبيب مصري، أوائل الجراحين المصريين، وأول عميد مصري لكلية طب قصر العيني، ووزير الصحة في الفترة من 28 يونيو 1940 إلى 30 يوليو 1941. وكان عضواً بمجمع اللغة العربية. في يناير 1930 ألف الجمعية الطبية المصرية عقب اجتماع دعا إلى عقده وزملاؤه الذين أصدروا المجلة الطبية المصرية. في سبتمبر 1941 (بعد خروجه من الوزارة مباشرة) عين مديراً لجامعة فؤاد الأول. أسس نقابة أطباء مصر عام 1940، وكان أول نقيب لأطباء مصر. وأسس مستشفى الجمعية الخيرية بالعجوزة.

نشأته

ولد علي إبراهيم في الإسكندرية في 10 أكتوبر 1880، وكان والده إبراهيم عطا فلاحا من إحدى قرى مدينة مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، وأمه هي السيدة مبروكة خفاجي، وكانت أيضاً فلاحة من مطوبس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top