تقرير: رجاء ناجي
في السنوات الأخيرة، تغيّر شكل التمويل الدولي للصحة على نحو لم يكن متوقعًا. فبعد عقود من التوسّع في دعم برامج مكافحة الإيدز والسل والملاريا والتطعيم والصحة الإنجابية، بدأ العالم يشهد موجة انكماش حادة طالت المؤسسات المانحة الكبرى، نتيجة الضغوط الاقتصادية والحروب وارتفاع التضخم والتحولات السياسية في الدول الرئيسية الممولة.
هذا التراجع لا يقتصر على حسابات مالية داخل تقارير دولية، بل يترجم مباشرة إلى ملايين البشر الذين تعتمد حياتهم على العلاج المجاني والفحوص الوقائية والدعم المجتمعي. ومع كل خطوة تقليص جديدة، تظهر المخاطر بوضوح أكبر: أمراض كانت في طريقها للانحسار تعود للانتشار، مراكز توعية تُغلق، ومنظمات مجتمع مدني “ كانت تمثل خط الدفاع الأول “ تتراجع أو تختفي تمامًا.
وفي قلب هذا المشهد القاتم، جاءت كلمة منظمة الصحة العالمية في اليوم العالمي للإيدز لتؤكد أن الخطر أكبر مما يُظن.

تحذير عالمي: فجوات في العدالة… وفيروسات تتحرك في الظل
قالت الدكتورة بنديديتّا ألبرقانزي، مديرة إدارة الأمراض السارية في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، إن إقليم شرق المتوسط وحده يضم نحو 610 ألف شخص متعايش مع فيروس HIV، بينما لا يعرف إصابته سوى 4 من كل 10، ولا يحصل على العلاج إلا 30% تقريبًا، ولا يصل إلى كبت الفيروس سوى 28%.
ثم أطلقت الجملة التي تختصر جوهر الأزمة:
“نحن أمام ثغرة تمويل وثغرة عدالة وثغرة خدمات… إذا لم نغلقها الآن، سنرى وباءً مستمرًا وارتفاعًا في الوفيات ونظمًا صحية منهكة.”
هذه ليست مجرد تحذيرات عن الإيدز، بل عن مسار عالمي يعيد خريطة التمويل على حساب الفقراء.
من زمن الوفرة… إلى مرحلة الانكماش الصحي
بعد جائحة كورونا، توقع العالم استمرار الطفرة التمويلية في قطاع الصحة. لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
تقرير معهد القياسات الصحية والتقييم IHME لعام 2025 أكد انخفاض “مساعدات التنمية للصحة” بنسبة 21% بين 2024 و2025؛ من نحو 49.6 مليار دولار إلى 39.1 مليار دولار.
القطاعات الأكثر تضررًا كانت تحديدًا: الإيدز، السل، الملاريا، التطعيم، الصحة الإنجابية.
هذا الانخفاض لا يعني فقط تراجع دعم المؤسسات المانحة، بل يعني آلاف العيادات التي لن تُفتح، وبرامج توعية لن تُنفَّذ، وأدوية لن تُشترى، خصوصًا في الدول التي لا تستطيع سد الفجوة من ميزانياتها المحدودة.
ففي ملف الإيدز وحده، يشير برنامج UNAIDS إلى فجوة تمويل سنوية لا تقل عن 8 مليارات دولار بين ما هو متوفر وما هو مطلوب لتحقيق هدف القضاء على المرض بحلول 2030.

منظمات دولية تحتضر: عجز مالي يقود إلى تقليص البرامج
في منتصف 2025، اضطر برنامج UNAIDS إلى إعلان خطط لخفض قوته العاملة بنسبة تصل إلى 30% بسبب تراجع التمويل.
هذا يعني مكاتب تغلق، وبرامج مجتمعية تتوقف، ومنظمات محلية في أفريقيا وآسيا والمنطقة العربية تفقد شريان الحياة الذي كان يمكّنها من تنفيذ حملات الفحص والدعم للفئات الأكثر هشاشة.
التقارير تشير إلى أن الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، وبرامج الأمم المتحدة المختلفة، تعاني جميعها من ضغوط مشابهة، ما يقلل قدرة الدول الفقيرة على الصمود أمام الأوبئة القديمة والجديدة.
المساعدات تتحول إلى ورقة تفاوض
التحولات السياسية في الولايات المتحدة الممول الأكبر لسنوات طويلة أثرت بوضوح على منظومة التمويل الصحي.
التقارير الدولية وثقت خفض التمويل الموجه لبرامج عالمية مثل PEPFAR وUNAIDS، وإعادة توجيه الموارد لبرامج داخلية أو مبادرات سياسية.
الأمر لم يقتصر على أمريكا؛ فعدد من الدول الأوروبية أعاد أيضًا توجيه التمويل نتيجة ضغوط الهجرة والتضخم والأزمات الطاقية، ما أدى إلى تقلص دعم الصحة العالمية في شكل غير مسبوق منذ عقدين.
منظمات المجتمع المدني في “الجنوب العالمي”
هذه المنظمات كانت قلب الاستجابة الصحية لسنوات، لأنها الأكثر قدرة على الوصول للمناطق المهمشة، وللفئات التي لا تلجأ بسهولة إلى الأنظمة الصحية الرسمية.
تراجع التمويل يعني توقف حملات للفحص المجاني، وانهيار برامج الوقاية، وإغلاق مراكز المشورة، وتراجع مبادرات التوعية بين الشباب، ما يؤدي إلى زيادة الإصابات غير المكتشفة وارتفاع الوفيات.
في حالة الإيدز تحديدًا، كان لهذه المنظمات دور أساسي في مواجهة الوصم والتمييز، وغيابها الآن يترك فجوات خطيرة في مجتمعات هشة.
إصابات تتضاعف… وتمويل لا يكفي
إقليم شرق المتوسط الذي يضم مصر والمنطقة العربية مثال واضح على تأثير الأزمة.
الإصابات الجديدة بفيروس HIV تضاعفت تقريبًا خلال أقل من عشر سنوات، بينما تغطية العلاج لا تتجاوز الثلث.
المنظمة تؤكد أن الفجوة التمويلية تجعل كثيرًا من الدول عاجزة عن توفير الفحوص والعلاج والدعم النفسي، خصوصًا في الدول المتأثرة بالأزمات الاقتصادية أو النزاعات.
المرض لا يحتاج جواز سفر: تهديد يتجاوز الحدود
الاعتقاد بأن تقليص دعم الصحة سيضر فقط بالدول الفقيرة هو اعتقاد ساذج.
الأمراض من الإيدز إلى السل المقاوم وصولًا إلى الفيروسات الناشئة تتنقل عبر السفر والهجرة والتجارة، ولا تتوقف أمام حدود سياسية.
تراجع التمويل العالمي يزيد احتمالات عودة أمراض كانت تحت السيطرة مثل شلل الأطفال والحصبة وبعض سلالات الملاريا، ويضعف قدرة العالم على مواجهة أي وباء جديد.
وماذا عن مصر؟
تعمل مصر على تدعيم أنظمتها الصحية عبر:
– تعميم التأمين الصحي الشامل.
– توطين تصنيع الدواء واللقاحات.
– الاستثمار في مكافحة الأمراض المزمنة.
– رفع قدرة مصر على مواجهة الأوبئة بدون اعتماد كامل على المانحين.
وظهر هذا بوضوح فى حملة 100 مليون صحة والقضاء علي فيروس سي،وتحمل الدولة المصرية علاج اكثر من 4 مليون مريض بفضل تصنيع الادوية محلياً باسعار مكنت مصر من نجتح المبادرة بنجاح ابهر العالم.
لكن رغم ذلك، تبقى بعض برامج الإيدز والصحة الإنجابية والسل معتمدة جزئيًا على المنح الدولية، ما يجعل أي خفض حاد في التمويل عبئًا إضافيًا يتحمل جزءًا منه المواطن الأكثر هشاشة.
كيف نمنع العودة إلى “عصر الأوبئة”؟
التحقيق لا يهدف إلى لوم المانحين فقط، بل إلى البحث عن حلول مستدامة مثل:
– رفع مساهمات الدول متوسطة الدخل لتمويل برامجها الصحية.
– خلق آليات تمويل عالمية طويلة الأجل لا تتأثر بالسياسة الداخلية.
– تعزيز أنظمة الصحة الوطنية لتكون قوية بما يكفي لمواجهة الأوبئة دون الاعتماد المفرط على الخارج.
لكن إلى أن يتحقق ذلك، يبقى السؤال الأخطر:
كم من الأرواح يمكن أن تُفقد لأن العالم قرر خفض ميزانيات الصحة؟
وكم من الأوبئة يمكن أن تعود لأن الدول الغنية ظنت أن المرض سيبقى بعيدًا عنها؟
الأرقام تُنذر، والواقع أكثر قسوة من التقارير.
وما لم يبدأ العالم إعادة النظر الآن، فقد نكتشف بعد سنوات قليلة أن تكلفة التقصير أكبر بكثير مما حاول العالم أن يوفره.



