لسنوات طويلة، ارتبطت المستشفيات الحكومية في أذهان كثير من المصريين بصور الإهمال، الزحام، نقص الإمكانيات، وهجرة المرضى نحو القطاع الخاص رغم تكلفته الباهظة. كانت رحلة العلاج في المستشفى العام أشبه بمعركة يومية يخوضها المواطن بحثًا عن سرير أو طبيب أو دواء.
اليوم، المشهد يتغير. ليس عبر تصريحات عابرة أو جولات بروتوكولية، بل من خلال استثمارات ضخمة وخطط إعادة هيكلة غير مسبوقة، أعادت الحياة تدريجيًا إلى المستشفيات الحكومية، في محاولة جادة لاستعادة ثقة المواطن في العلاج العام.
جولة رئيس الوزراء الأخيرة على خمسة مشروعات صحية عملاقة بالقاهرة والجيزة، بتكلفة تتجاوز 25 مليار جنيه، لم تكن مجرد زيارة تفقدية، بل رسالة واضحة:
الدولة قررت أن تجعل الصحة أولوية وطنية لا شعارًا سياسيًا.
من غرف متهالكة إلى صروح طبية تضاهي القطاع الخاص
ما تم عرضه خلال الجولة يعكس حجم التحول. مستشفيات كانت تعمل بإمكانيات محدودة، تتحول اليوم إلى مجمعات طبية متكاملة تضم:
• غرف عمليات بأحدث الأجهزة
• وحدات رعاية مركزة عالية التجهيز
• حضّانات أطفال مبتسرين
• أجهزة رنين مغناطيسي وقسطرة قلبية
• معامل وبنوك دم متطورة
أبرز هذه النماذج مستشفى بولاق الدكرور العام، الذي تجاوزت تكلفة تطويره مليار و200 مليون جنيه، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 97%، ويخدم قرابة 3 ملايين مواطن من المناطق المحيطة.
المستشفى الجديد يضم:
• 228 سريرًا
• 94 سرير رعاية مركزة
• 19 حضّانة أطفال
• 8 غرف عمليات
• 22 ماكينة غسيل كلوي
• 18 عيادة خارجية
أرقام لم تكن متخيلة في مستشفى حكومي يخدم مناطق شعبية كثيفة السكان.

لماذا الآن؟ ولماذا هذا الحجم من الاستثمار؟
رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي كان واضحًا في رسالته:
الاستثمار في الصحة لم يعد هدفًا خدميًا.. بل أولوية تتصدر أجندة الحكومة.
الرسالة تعكس تحولًا في فلسفة الدولة:
الصحة لم تعد بندًا في الموازنة، بل استثمار في الإنسان، لأن المواطن المريض لا ينتج، ولا يتعلم، ولا يساهم في الاقتصاد.
الدولة لا تطور مستشفى واحدًا أو اثنين، بل تعمل على:
• رفع كفاءة مستشفيات قائمة تعمل بالفعل
• إنشاء مبانٍ جديدة داخل مستشفيات قديمة دون تعطيل الخدمة
• تجهيزها وفق معايير التأمين الصحي الشامل
وهو ما يجعل عملية التطوير أصعب وأكثر تكلفة، لكنها أكثر تأثيرًا.
5 مشروعات.. 25 مليار جنيه
المشروعات التي شملتها الجولة تضمنت:
• تطوير مستشفى أورام دار السلام (هرمل سابقًا) بالشراكة مع معهد جوستاف روسي الفرنسي
• إنشاء مستشفى بولاق أبو العلا الجديد
• المدينة الطبية بمعهد ناصر (رفع الطاقة من 680 إلى 1700 سرير)
• تطوير مستشفى أم المصريين
• مستشفى بولاق الدكرور العام
إجمالي الاستثمارات تخطى 25 مليار جنيه، وهو رقم غير مسبوق في ملف تطوير المستشفيات الحكومية.
ما الذي يتغير على أرض الواقع؟
التغيير لا يُقاس بالمباني فقط، بل في:
• تقليل قوائم الانتظار
• تحسين تجربة المريض
• تدريب الأطقم الطبية
• تطبيق نظم إدارة حديثة
• إدخال التحول الرقمي
الدولة تسعى لتحويل المستشفى الحكومي من “مكان اضطراري” إلى خيار أول للمواطن.
القاهرة والجيزة.. رغم عدم دخولهم التأمين الصحي الشامل بعد
المفارقة المهمة أن القاهرة والجيزة لم تدخلا بعد منظومة التأمين الصحي الشامل رسميًا، ومع ذلك يتم تجهيز مستشفياتهما بنفس معايير المحافظات المطبقة للمنظومة.
الهدف:
• إدخالها المنظومة لاحقًا دون فجوة
• تقديم خدمات تضاهي القطاع الخاص
• خدمة مواطني المحافظات المجاورة أيضًا
منطق الدولة: الوقاية أوفر من العلاج
هذه الاستثمارات لا تهدف فقط لعلاج المرضى، بل لتقليل الخسائر الاقتصادية الناتجة عن:
• الأمراض المزمنة
• الإعاقة
• انخفاض الإنتاجية
• الإنفاق الأسري على العلاج الخاص
كل جنيه يُنفق على مستشفى حكومي قوي، يوفر عشرات الجنيهات كانت ستُستنزف من جيوب المواطنين.
استعادة الثقة.. المعركة الأصعب
أصعب ما تواجهه الدولة ليس البناء أو التمويل، بل:
استعادة ثقة المواطن
التي تآكلت عبر سنوات من الإهمال.
لكن المشهد الجديد – أجهزة حديثة، غرف نظيفة، أطقم مدربة – يعيد تشكيل الصورة الذهنية تدريجيًا.
كما قال رئيس الوزراء:
معيار النجاح الحقيقي هو ما يشعر به المواطن داخل المستشفى.
خلاصة بوابة مصر الصحية
ما يحدث اليوم في المستشفيات الحكومية ليس تطويرًا شكليًا، بل إعادة بناء شاملة لمنظومة انهكتها سنوات طويلة من الضغط والتقادم.
الدولة تراهن على الصحة كقضية أمن قومي، لأن:
• مريض بلا علاج = أسرة منهكة
• أسرة منهكة = مجتمع هش
• مجتمع هش = اقتصاد ضعيف
لهذا، فإن عودة الحياة إلى المستشفيات الحكومية ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية
ومع كل صرح طبي جديد، تُستعاد قطعة من كرامة المواطن وحقه في علاج محترم داخل بلده.



