من ثكنات “أبو زعبل” إلى ضفاف النيل.. كيف شيد “كلوت بك” و”محمد علي” معجزة الطب الحديث في الشرق؟
حين وضع محمد علي باشا حجر الأساس لجيشه النظامي، لم يكن يدرك أن بقعة صحراوية نائية في الخانكة ستتحول إلى مهد للطب الحديث في الشرق. فبعد تنقل معسكرات التدريب من أسوان إلى بونالي ثم مشارف القاهرة، استقر القرار النهائي على منطقة الخانكة لتكون مقراً للمعسكر الرئيسي، نظراً لهوائها النقي الذي يحمي الجنود من أوبئة المدينة المكتظة، ولأنها تسيطر ببراعة على الطريق المؤدي إلى سوريا.
هناك، وعلى بُعد مسافة قصيرة من قلب المعسكر الذي كان يضج بنحو خمسة وعشرين ألفاً من الضباط والجنود، وقعت عين كلوت بك على أطلال قديمة كانت تُستخدم كثكنات لسلاح الفرسان في قرية أبو زعبل، وقرر برؤيته الثاقبة أن يحول هذا الركام إلى صرح طبي لا يضاهيه شيء في ذلك الزمان.
اقرا ايضًا: 199 عامًا من المجد الطبي… قصر العيني يكتب تاريخ مصر الصحي منذ عهد محمد علي
لم يكتفِ كلوت بك بترميم ما كان قائماً، بل أمر بهدم مبنى كان مخصصاً كإصطبل للخيل العسكري، ليبدأ في تشييد تصميمه الخاص الذي جاء على هيئة مربع ضخم، يبلغ طول ضلعه مائتي متر من كل جانب، ويرتفع عن سطح الأرض بنحو خمسة أقدام لضمان جفاف التربة وعزلها عن الرطوبة.

كان المبنى يرتفع طابقاً واحداً فقط بسبب طبيعة التربة، لكنه صُمم بذكاء هندسي يجعل كل جناح فيه عالماً قائماً بذاته، حيث امتدت صفوف العنابر في الأجنحة الشرقية والبحرية والقبلية، مقسمة إلى ثمانية عنابر واسعة، يحتوي كل واحد منها على خمسين سريراً مصفوفة بدقة في صفين متقابلين، وتخترق جدرانها ست عشرة نافذة مرتفعة، صُممت بعناية لتسمح لضوء الشمس والهواء المتجدد بالتدفق المستمر. أما الجناح الغربي، فقد كان بوابة العبور لهذا العالم، حيث يقع المدخل العام في منتصف الواجهة، يجاوره مكتب للتحكم وغرفة للحراسة، بينما خُصصت بقية الغرف للعيادات الخارجية ومخازن الأدوية وصالات استقبال الضباط.
وفي قلب هذا المربع الفسيح، لم يترك كلوت بك الفراغات صامتة، بل زرعها بأجمل البساتين والنباتات الطبية التي أشرف عليها الدكتور دوليل، أستاذ النباتات بجامعة مونبلييه، لمدة عشرين عاماً. وفي وسط هذه الخضرة، انتصب مبنى يضم الصيدلية والحمامات والمطابخ والمشرحة، وساقية ترفع المياه العذبة لتغذي المنشأة بأكملها. ولم يتوقف الطموح عند العلاج فحسب، بل تحول المستشفى إلى مركز إشعاع علمي يضم متحفاً للتاريخ الطبي حوى مجموعات كاملة من الكائنات الحية والمعادن المستخرجة من مصر وبلاد العرب، مضافاً إليها مجموعة أوروبية ثمينة أهداها ملك فرنسا لويس فيليب، حتى صار المتحف ينافس في ثرائه متحف جامعة باريس الطبية.

ولم تكن المكتبة أقل شأناً، فقد بدأت بمجلدات قليلة لتنتهي بآلاف الكتب التي عربها المصريون أو ألفوها. وعلى الرغم من أن المدرسة انتقلت لاحقاً إلى قصر العيني، الذي تميز بموقعه الساحر مقابل جزيرة الروضة، إلا أن أبو زعبل ستظل دائماً هي النواة الأولى التي انطلقت منها شرارة الطب الحديث، حيث دمجت بين صرامة العسكرية ودقة العلم وجمال الطبيعة.
وقد خُلدت ذكرى هذا الإنجاز بلوحة تأسيسية من الرخام، نُقشت عليها قصيدة باللغة التركية العثمانية، تحتفي برؤية والي مصر محمد علي باشا. لا تزال هذه اللوحة، بنصوصها التي تمجد الوالي وتؤرخ لبناء هذه القشلة المعظمة، تقف شاهداً حياً على عظمة ذلك العصر. واللوحة مكتوبة بالخط الثلث الجلي المتقن، وتتبع النمط التقليدي في فن تاريخ مادة، حيث تُختتم القصيدة بعبارة حسابية ترمز لسنة الانتهاء من البناء، لتظل هذه اللوحة بمثابة شهادة ميلاد موثقة للصرح الذي غير وجه الطب في مصر والمنطقة بأكملها.




