بقلم: د. اسعد رياض
في السياحة العلاجية، يعتقد كثيرون أن رحلة المريض تنتهي بخروج ناجح من غرفة العمليات أو بتحقيق نتيجة سريرية مرضية. هذا الاعتقاد هو أحد أكثر الأخطاء شيوعاً وخطورة في إدارة تجربة المريض الأجنبي. فالحقيقة التي تثبتها التجارب العالمية أن اللحظة التي ينتهي فيها العلاج هي بالضبط اللحظة التي تبدأ فيها التجربة الحقيقية.
اقرأ ايضًا: إدارة شكاوى المرضى الدوليين: هل نسمع المريض أم ندافع عن أنفسنا؟
المريض الأجنبي لا يقيم جودة رحلته بناءً على ما حدث تحت التخدير، بل على ما يعيشه بعدها: الألم، القلق، الأسئلة غير المجابة، الحاجة إلى الطمأنينة، والخوف من المجهول عند العودة إلى وطنه. في هذه المرحلة، يصبح التواصل والدعم والمتابعة أهم من المهارة الجراحية ذاتها.
أحد أبرز مواطن الضعف في كثير من التجارب العلاجية هو الفراغ الذي يلي الخروج. بعد أيام من الاهتمام المكثف داخل المستشفى، يجد المريض نفسه فجأة أمام نظام لا يعرفه: تعليمات غير واضحة، أرقام تواصل غير مفعّلة، ومتابعة تعتمد على المبادرة الشخصية لا على نظام مؤسسي. هذا الانتقال الحاد من “رعاية كاملة” إلى “اعتماد ذاتي” يخلق شعوراً بالهشاشة، خصوصاً لدى المريض الذي يعالج خارج بلده.
ما بعد العملية ليس مرحلة طبية فقط، بل مرحلة نفسية وسلوكية. القلق بعد الجراحة، حتى مع أفضل النتائج، أمر طبيعي. المريض يحتاج إلى من يشرح له ما هو طبيعي وما هو مقلق، متى يتواصل، وكيف يتصرف في حال ظهور أعراض غير متوقعة. غياب هذا الإطار الواضح يدفع كثيرين إلى القلق المفرط أو البحث عن إجابات من مصادر غير موثوقة، ما ينعكس سلباً على تقييمهم للتجربة ككل.
تزداد أهمية هذه المرحلة عندما يكون المريض قد عاد إلى بلده. هنا تظهر فجوة المتابعة الدولية بوضوح. كثير من المؤسسات تنهي دورها عملياً عند تسليم تقرير الخروج، وكأن العلاقة انتهت. بينما في الواقع، المريض في هذه المرحلة يقيم مدى التزام الجهة المعالجة بمسؤوليته بعد العلاج. المتابعة المنتظمة، حتى لو كانت بسيطة، ترسل رسالة قوية مفادها أن المريض ليس رقماً عابراً، بل علاقة مستمرة.
كما أن ما بعد العملية هو الامتحان الحقيقي لتكامل المنظومة. التنسيق مع أطباء في بلد المريض، وضوح التوصيات، سهولة مشاركة التقارير الطبية، وإتاحة قنوات تواصل مباشرة مع الفريق المعالج، كلها عناصر تحدد ما إذا كانت التجربة احترافية أم مرتجلة. أي خلل في هذا التنسيق يُترجم فوراً إلى شعور بالإهمال، مهما كانت النوايا حسنة.
من زاوية أخرى، تُعد هذه المرحلة فرصة ذهبية لبناء السمعة الدولية. المريض الذي يشعر بأنه مدعوم بعد عودته يصبح أفضل سفير غير مدفوع الأجر. أما المريض الذي يواجه صمتاً أو تجاهلاً، فغالباً ما يعبر عن ذلك بوضوح على منصات التقييم، حيث تنتشر التجارب السلبية أسرع بكثير من الإيجابية.
المؤسسات الناضجة لا تتعامل مع ما بعد العملية كخدمة إضافية، بل كجزء أصيل من العلاج. تضع بروتوكولات واضحة للمتابعة، وتحدد مسؤوليات دقيقة، وتستثمر في التواصل المستمر. تدرك أن الجودة السريرية وحدها لا تصنع تجربة متكاملة، وأن الثقة تُبنى في لحظات الضعف أكثر مما تُبنى في لحظات النجاح.
في السياحة العلاجية، تنتهي العملية… لكن الرحلة لا تنتهي. ومن يفهم أن ما بعد العملية هو البداية الحقيقية للتجربة، يمتلك مفتاحاً أساسياً للتميز والاستدامة في سوق عالمي لا يرحم.



