أكثر من 70 مليون زيارة خلال 6 سنوات.. ومبادرة “دعم صحة المرأة” تتجاوز الكشف المبكر إلى بناء وعي صحي مستدام
لم تعد مبادرة رئيس الجمهورية لدعم صحة المرأة المصرية مجرد برنامج للكشف المبكر عن سرطان الثدي أو تقديم خدمات الفحص الطبي للسيدات، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أكبر مشروعات التوعية الصحية وتغيير السلوك المجتمعي في مصر، بعدما نجحت في الوصول إلى أكثر من 70 مليون زيارة للسيدات، لتصبح كل زيارة فرصة لنشر ثقافة صحية جديدة تنتقل من المرأة إلى الأسرة بأكملها.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الصحة والسكان استقبال 70 مليونًا و591 ألفًا و515 زيارة ضمن المبادرة منذ إطلاقها في يوليو 2019، تؤكد الأرقام أن المبادرة تجاوزت هدفها التقليدي المتمثل في الاكتشاف المبكر للأمراض، لتؤسس نموذجًا جديدًا للرعاية الوقائية يعتمد على رفع الوعي الصحي وتغيير أنماط الحياة، باعتبار المرأة المحرك الأساسي لصحة الأسرة والمجتمع.
المرأة.. نقطة البداية لصحة الأسرة
يؤكد خبراء الصحة العامة أن الاستثمار في صحة المرأة لا ينعكس على الفرد فقط، بل يمتد أثره إلى الأسرة بأكملها، إذ تمثل المرأة في المجتمع المصري المصدر الأول للمعلومات الصحية داخل المنزل، وصاحبة القرار في كثير من العادات الغذائية والسلوكية المرتبطة بالصحة.
ومن هذا المنطلق، جاءت مبادرة دعم صحة المرأة لتقدم نموذجًا مختلفًا للرعاية الصحية، يقوم على تحويل كل زيارة للوحدة الصحية إلى فرصة للتثقيف والتوعية، وليس فقط إجراء الفحوصات الطبية.
فإلى جانب الكشف المبكر عن سرطان الثدي، تشمل خدمات المبادرة التوعية بعوامل الخطورة، والكشف عن الأمراض غير السارية مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، إلى جانب تقديم الإرشادات الخاصة بالتغذية السليمة، وممارسة النشاط البدني، والصحة الإنجابية، وتنظيم الأسرة.

أكثر من 70 مليون زيارة.. ورسائل صحية تصل إلى ملايين الأسر
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن المبادرة استقبلت منذ انطلاقها 70 مليونًا و591 ألفًا و515 زيارة، منها 23 مليونًا و446 ألفًا و16 زيارة لأول مرة، و33 مليونًا و428 ألفًا و303 زيارات دورية، بالإضافة إلى 13 مليونًا و717 ألفًا و195 زيارة عارضة.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب متخصصين، نجاح المبادرة في تحويل الزيارة الطبية من إجراء عابر إلى علاقة مستمرة بين المرأة ومنظومة الرعاية الصحية، بما يعزز فرص الوقاية والاكتشاف المبكر وتعديل السلوكيات الصحية على المدى الطويل.
وأكد الدكتور حسام عبدالغفار أن الكشف المبكر عن سرطان الثدي يمثل أحد أهم أدوات تقليل العبء المرضي والاقتصادي، سواء على المريضة أو على الدولة، من خلال التدخل المبكر وتقديم العلاج وفق أحدث البروتوكولات العالمية بالمجان.
الاكتشاف المبكر.. إنقاذ للحياة وتقليل لتكلفة العلاج
وتشير الدراسات العالمية إلى أن اكتشاف سرطان الثدي في مراحله الأولى يرفع معدلات الشفاء إلى أكثر من 90%، كما يقلل بصورة كبيرة من تكلفة العلاج والتدخلات الطبية المعقدة.
وفي هذا الإطار، نجحت المبادرة في إحالة 927 ألفًا و546 سيدة إلى المستشفيات لإجراء الفحوصات المتقدمة، فيما تم اكتشاف 38 ألفًا و922 حالة إصابة بسرطان الثدي، وتقديم العلاج المجاني لهن وفق أحدث البروتوكولات العلاجية.
وأوضح الدكتور حاتم أمين، المدير التنفيذي للمبادرة، أنه تم إجراء 449 ألفًا و571 فحص ماموجرام، وسحب 59 ألفًا و842 عينة أورام لتحليلها، مع متابعة الحالات المؤكدة من خلال منظومة التأمين الصحي أو العلاج على نفقة الدولة.
تغيير نمط الحياة.. الهدف الأعمق للمبادرة
لكن الأثر الأهم للمبادرة، بحسب خبراء الصحة العامة، لا يتمثل فقط في الأرقام الطبية، وإنما في نجاحها في إحداث تغيير تدريجي في الثقافة الصحية لدى ملايين السيدات المصريات.
فخلال جلسات التوعية، تتلقى السيدات معلومات حول:
* أهمية التغذية الصحية المتوازنة.
* مخاطر السمنة وقلة النشاط البدني.
* أهمية ممارسة الرياضة بانتظام.
* أضرار التدخين والتدخين السلبي.
* أساليب الوقاية من الأمراض المزمنة.
* أهمية الفحص الدوري وعدم انتظار ظهور الأعراض.
ويؤكد المتخصصون أن المرأة التي تتبنى نمط حياة صحيًا غالبًا ما تنقل هذه الثقافة إلى أطفالها وزوجها وبقية أفراد أسرتها، ما يجعل الاستثمار في صحة المرأة استثمارًا مباشرًا في صحة المجتمع بأكمله.
شبكة وطنية للرعاية والتوعية
وتقدم المبادرة خدماتها من خلال 3663 وحدة صحية و102 مستشفيات منتشرة في جميع محافظات الجمهورية، إلى جانب الوحدات الطبية المتنقلة التي نجحت في الوصول إلى المناطق النائية والأكثر احتياجًا.
وكشف الدكتور حاتم أمين عن تقديم الخدمات لـ 161 ألفًا و334 سيدة من خلال الوحدات المتنقلة، مع إجراء 64 ألفًا و307 أشعات داخل هذه الوحدات، بما ساهم في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية.
كما استقبل الخط الساخن للمبادرة 15335 نحو 34 ألفًا و788 اتصالًا للاستفسار والحجز والمتابعة.

بناء كوادر طبية متخصصة
ولضمان استدامة جودة الخدمات، قامت وزارة الصحة بتدريب 30 ألفًا و98 من أعضاء الفرق الطبية، من أطباء وتمريض وفنيي أشعة وباثولوجي، على أحدث المعايير والبروتوكولات العالمية في التشخيص والعلاج والتوعية الصحية.
كما تطبق المبادرة أحدث بروتوكولات علاج سرطان الثدي من خلال 28 مركزًا متخصصًا، تضم 14 مركزًا تابعًا لوزارة الصحة و14 مركزًا بالمستشفيات الجامعية، مع العمل على تطوير هذه المراكز لتصبح مراكز بحثية متقدمة في مجال علاج الأورام.
اقرأ ايضًا: الأمراض النادرة..من المعاناة الصامتة إلي أولوية وطنية
من مبادرة للكشف إلى مشروع لبناء مجتمع أكثر صحة
وبعد مرور ست سنوات على انطلاقها، تبدو مبادرة دعم صحة المرأة المصرية نموذجًا واضحًا للتحول من مفهوم العلاج إلى مفهوم الوقاية، ومن تقديم الخدمة الطبية إلى بناء ثقافة صحية مستدامة.
فكل زيارة تقوم بها سيدة إلى إحدى وحدات المبادرة لا تعني فقط الاطمئنان على صحتها، بل تمثل فرصة جديدة لنشر الوعي، وتغيير السلوك، وتعزيز ثقافة الوقاية، بما يجعل المرأة المصرية شريكًا رئيسيًا في بناء مجتمع أكثر صحة، وأسرة أكثر وعيًا، ومستقبل صحي أكثر استدامة للأجيال القادمة



