اهتمام خليجي بحصص في المشروع المصري باستثمارات 165 مليون دولار والتشغيل المستهدف في 2028
دخل مشروع الشركة العربية للخامات الصيدلية «Arab API»، أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية الجاري تنفيذها لتوطين صناعة الدواء في مصر، مرحلة جديدة مع إبداء مستثمرين من دول الخليج اهتمامًا بالدخول كمساهمين في المشروع، الذي يقام بالمنطقة الصناعية في العين السخنة باستثمارات تصل إلى 165 مليون دولار.
وكشفت الدكتورة ألفت غراب، رئيسة الشركة العربية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية «أكديما»، عن تلقي إبداءات اهتمام من مستثمرين خليجيين للمشاركة بحصص ملكية في الشركة، مؤكدة انفتاح «أكديما» على دخول مزيد من الشركاء الاستراتيجيين بالتزامن مع تقدم تنفيذ المشروع.
وبحسب المعلومات المتاحة، يستهدف المشروع بدء التشغيل التجاري خلال عام 2028.
لكن المباحثات مع المستثمرين الخليجيين لا تزال في مرحلة الاهتمام الأولي؛ إذ لم يتم حتى الآن الإعلان عن أسماء المستثمرين أو الدول التي ينتمون إليها، كما لم تُحدد قيمة الاستثمارات المحتملة أو نسب الملكية المستهدفة، وبالتالي لا يمكن وصف التحركات الحالية بأنها صفقة استحواذ نهائية.
ليس مصنع أدوية تقليديًا
تكمن الأهمية الحقيقية لـ«Arab API» في طبيعة الصناعة التي يستهدف توطينها. فالمشروع لا يركز على إنتاج الأقراص والكبسولات والحقن باعتبارها منتجات دوائية نهائية، وإنما يتجه إلى مرحلة أعمق في سلسلة القيمة، تتمثل في تصنيع المواد الفعالة الدوائية APIs والخامات والمواد الوسيطة التي تعتمد عليها مصانع الأدوية في إنتاج مستحضراتها.
ومن المقرر أن ينتج المجمع المواد الخام الدوائية الفعالة وغير الفعالة، والمواد الوسيطة والمركزات والكيماويات والإضافات اللازمة للصناعات الدوائية، وهي المنتجات التي أكدتها بيانات المشروع المنشورة.
وبذلك يسعى المشروع إلى نقل جزء من صناعة الدواء المصرية من مرحلة «استيراد المادة الفعالة والتصنيع النهائي محليًا» إلى نموذج أكثر عمقًا يقوم على تصنيع المادة الفعالة ومكوناتها داخل مصر.
وتصف «إيبيكو» المشروع بأنه يستهدف إنشاء أول منشأة متعددة الأغراض في الشرق الأوسط للتصنيع الكامل للمواد الفعالة الدوائية.
لماذا يمثل «Arab API» مشروعًا استراتيجيًا لمصر؟
رغم امتلاك مصر قاعدة صناعية كبيرة لإنتاج المستحضرات الدوائية النهائية، فإن الاعتماد على استيراد الخامات والمواد الفعالة يظل إحدى نقاط الضعف الرئيسية في سلسلة صناعة الدواء.
ويعني الاعتماد الكبير على الخارج في الخامات أن تكلفة الإنتاج المحلي تظل مرتبطة بتوافر النقد الأجنبي وأسعار الصرف وتكاليف الشحن وتقلبات سلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا يأتي الرهان على «Arab API»: توطين ما وراء الدواء النهائي نفسه، بحيث تمتد الصناعة المحلية إلى الخامات والمواد الفعالة والوسيطة، بما يقلل التعرض للصدمات الخارجية ويدعم الأمن الدوائي.
165 مليون دولار في العين السخنة
انتقل المشروع رسميًا إلى مرحلة التنفيذ في 15 يناير 2026، مع وضع حجر الأساس داخل المنطقة الصناعية بالسخنة التابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ويقام المجمع على مساحة 96,828 مترًا مربعًا، باستثمارات إجمالية تبلغ 165 مليون دولار، تعادل نحو 7.7 مليار جنيه، وفق البيانات الرسمية المنشورة عند وضع حجر الأساس.
ويمنح موقع المشروع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ميزة إضافية، خاصة مع خطط الشركة المستقبلية التي لا تقتصر على إحلال الواردات، وإنما تمتد إلى فتح أسواق تصديرية للخامات والمواد الفعالة المصرية.
750 طنًا من المواد الفعالة سنويًا
وتكشف الطاقة الإنتاجية المخططة حجم المشروع؛ إذ يستهدف المصنع إنتاج نحو 750 طنًا سنويًا من المواد الفعالة الدوائية APIs، إضافة إلى 500 طن سنويًا من المواد الوسيطة.
ويعتمد المشروع على مفهوم المصنع متعدد الأغراض، بما يسمح بإنتاج مجموعات مختلفة من المركبات والمواد المستخدمة في صناعة الدواء، وإضافة منتجات جديدة مستقبلًا طبقًا لاحتياجات السوق المحلية والفرص التصديرية.
المضادات الحيوية في قلب المشروع
وتحتل خامات المضادات الحيوية، خاصة مشتقات السيفالوسبورين Cephalosporins، موقعًا مهمًا في خطط الإنتاج.
وتدخل هذه المواد في تصنيع مجموعة واسعة من المضادات الحيوية المستخدمة لعلاج العدوى البكتيرية، سواء في المستحضرات الفموية أو الحقن.
ولا تتوقف أهمية المشروع عند إنتاج المواد الفعالة النهائية، إذ تمتد خططه إلى بعض المواد الوسيطة التي تمثل حلقات مبكرة في عملية تصنيع المادة الفعالة نفسها، ما يعني تعميق التصنيع المحلي بدرجة أكبر من مجرد إحلال خام دوائي مستورد ببديل محلي.
من إحلال الواردات إلى الأمن الدوائي
وتتجاوز الجدوى الاقتصادية للمشروع مسألة إنشاء مصنع جديد، إذ يرتبط مباشرة بأحد الملفات الأكثر حساسية في صناعة الدواء المصرية: الأمن الدوائي وتقليل الاعتماد على الواردات.
فكلما زادت قدرة مصر على تصنيع المواد الفعالة والوسيطة محليًا، تراجعت حساسية الصناعة أمام أزمات الشحن العالمية ونقص الخامات وتقلبات أسعار العملات الأجنبية.
كما يفتح المشروع الباب أمام بناء صناعة تصديرية ذات قيمة مضافة أعلى، بدلًا من اقتصار النشاط على تصنيع المستحضرات النهائية للسوق المحلية.
خريطة ملكية تضم الدولة والبنوك وصناعة الدواء
وشهد هيكل ملكية «Arab API» تطورات مهمة مع دخول مؤسسات مصرفية واستثمارية إلى المشروع.
وبحسب أحدث بيانات منشورة من «إيبيكو»، تبلغ حصة الشركة 32.84%، بينما تمتلك شركة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستثمار 28.37%، و«أكديما» 20.8%، والبنك الأهلي المصري 10%، والبنك الزراعي المصري 8%. كما يبلغ رأس المال المرخص به للشركة 4 مليارات جنيه والمدفوع مليار جنيه.
ويعكس هذا الهيكل طبيعة المشروع باعتباره تحالفًا يجمع الخبرة الدوائية والاستثمار الحكومي والتمويل المصرفي في مشروع صناعي واحد.
ماذا يعني دخول المستثمرين الخليجيين؟
إذا تحولت إبداءات الاهتمام الحالية إلى استثمارات فعلية، فقد تشكل دخولًا جديدًا لرأس المال الخليجي في واحدة من أكثر حلقات الصناعة الدوائية المصرية استراتيجية.
لكن الصورة النهائية لم تتضح بعد؛ فلم يُعلن ما إذا كان دخول المستثمرين المحتملين سيتم من خلال زيادة رأس المال، أو شراء حصص قائمة من المساهمين الحاليين، أو آلية استثمارية أخرى.
ولهذا تظل الدقة الصحفية مهمة: الحديث حتى الآن عن اهتمام ومباحثات محتملة، وليس صفقة استحواذ مكتملة.
2028.. موعد مرتقب للتشغيل
وتتجه الأنظار إلى عام 2028 باعتباره الموعد المستهدف لبدء التشغيل التجاري للمجمع.
ومع دخول المشروع مرحلة التنفيذ الفعلي، تصبح الفترة المقبلة حاسمة في استكمال الإنشاءات وتركيب خطوط الإنتاج وتأهيل المنشأة وفق متطلبات التصنيع الدوائي، وصولًا إلى بدء الإنتاج التجاري.
«Arab API».. خطوة إلى عمق صناعة الدواء
القيمة الاستراتيجية للمشروع يمكن تلخيصها في تحول بسيط لكنه بالغ الأهمية: بدلًا من أن تصنع مصر الدواء من خامة مستوردة، تستهدف أن تصنع الخامة التي يُصنع منها الدواء.
وهذا التحول هو ما يجعل «Arab API» مختلفًا عن التوسعات التقليدية في قطاع الصناعات الدوائية؛ إذ يرتبط بتعميق المكون المحلي، وتقليل فاتورة الاستيراد، ونقل التكنولوجيا، ورفع القيمة المضافة، وزيادة قدرة الصناعة المصرية على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وإذا انضم مستثمرون خليجيون بالفعل إلى هيكل الملكية، بالتوازي مع المؤسسات المصرية الحكومية والمصرفية والدوائية المشاركة حاليًا، فقد يتحول المشروع أيضًا إلى منصة استثمار دوائي عربية تنطلق من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نحو أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.



