مصر تتجه لمركز إقليمي لصناعة اللقاحات في أفريقيا

في إطار احتفال العالم بـ الأسبوع العالمي للتحصينات، يتصاعد النقاش عالميًا حول مستقبل الأمن الصحي، ودور اللقاحات كأحد أهم أدوات الوقاية من الأوبئة، خاصة بعد الدروس التي فرضتها جائحة COVID-19، والتي كشفت أن امتلاك القدرة التصنيعية لم يعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية للدول.

داخل هذا السياق، تبدو مصر في مرحلة تحول واضحة نحو بناء منظومة متكاملة لصناعة اللقاحات، تقوم على التوطين والتوسع في الإنتاج، مع التوجه إلى التحول لمركز إقليمي يخدم أفريقيا والشرق الأوسط في اللقاحات البشرية والبيطرية، مستفيدة من بنيتها الدوائية وخبراتها التاريخية في هذا المجال.

اقرأ ايضًا: الأسبوع العالمي للتحصينات.. اللقاحات في خط الدفاع الأول ضد الأوبئة

رؤية الدولة للتحول الإقليمي

أكد الدكتور خالد عبد الغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، في تصريحات سابقة، أن الدولة المصرية تضع ملف توطين صناعة الدواء واللقاحات ضمن أولويات الأمن الصحي القومي، مشددًا على أن الهدف لا يقتصر على الاكتفاء الذاتي، بل يمتد إلى تعزيز قدرة مصر على التصدير للأسواق الأفريقية، في ظل الطلب المتزايد على اللقاحات وبرامج التحصين.

وأشار الوزير إلى أن مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا في صناعة الدواء، سواء من حيث البنية التحتية أو الكوادر البشرية أو الشراكات الدولية، مؤكدًا أن الفترة المقبلة ستشهد توسعًا في الاستثمارات الدوائية المرتبطة باللقاحات والتكنولوجيا الحيوية.

هيئة الدواء: تصنيع محلي بمعايير عالمية

من جانبه، أوضح الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في ملف توطين صناعة الدواء واللقاحات، مشيرًا إلى أن الهيئة تعمل على دعم جودة التصنيع المحلي بما يتوافق مع المعايير الدولية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، خاصة داخل القارة الأفريقية.

وأكد أن المرحلة الحالية تعتمد على تعزيز قدرات التصنيع المحلي، وتوسيع قاعدة الشراكات الدولية لنقل التكنولوجيا، بما يضمن استدامة الإنتاج ورفع كفاءة المنظومة الدوائية.

من “فاكسيرا” إلى مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجي

يمثل تطوير هيئة المصل واللقاح أحد أهم أعمدة التحول الحالي، حيث يجري العمل على إعادة تأهيل وتحديث قدراتها الإنتاجية لتصبح جزءًا من منظومة تصنيع متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة.

وفي السياق نفسه، يأتي مشروع “مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجي” كأحد أبرز المشروعات الاستراتيجية، بهدف إنشاء تجمع صناعي بحثي متكامل يربط بين البحث العلمي والتصنيع الدوائي، ويدعم إنتاج اللقاحات البشرية والبيطرية على نطاق واسع، بما يعزز من قدرة مصر التصديرية ويضعها في موقع تنافسي إقليمي.

أفريقيا تتحول إلى الإنتاج المحلي.. ومصر في موقع الشريك الإقليمي

يشهد العالم، وخاصة القارة الأفريقية، تحولًا تدريجيًا نحو ما يُعرف بـ“أفريقيا تُنتج لأفريقيا”، في ظل سعي الدول لتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي في القطاعات الحيوية وعلى رأسها اللقاحات.

هذا التوجه يفتح الباب أمام مصر لتكون شريكًا رئيسيًا في سد الفجوة الإقليمية، خاصة مع امتلاكها قاعدة صناعية دوائية متقدمة، وخبرة تراكمية في إنتاج وتوزيع اللقاحات، ظهرت بوضوح خلال جائحة كورونا، حين ساهمت مصر في توفير جزء من الإمدادات للقارة الأفريقية.

التحالفات الدولية ودعم منظومة التحصين

يلعب التعاون الدولي دورًا محوريًا في دعم هذا المسار، من خلال شراكات فنية وتمويلية مع جهات مثل التحالف العالمي للقاحات والتحصين ومنظمة الصحة العالمية، بهدف تعزيز برامج التحصين، ودعم التصنيع المحلي، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد والجودة.

منظومة تتجاوز الصحة إلى الاقتصاد

لم يعد ملف اللقاحات في مصر ملفًا صحيًا فقط، بل تحول إلى قطاع اقتصادي استراتيجي يربط بين الصحة والصناعة والتصدير، حيث تسعى الدولة إلى بناء صناعة دواء تنافسية قادرة على:

* تحقيق الاكتفاء الذاتي

* تعزيز التصدير إلى أفريقيا

* جذب الاستثمارات الأجنبية

* دعم الأمن الصحي الإقليمي

الخلاصة: من الاستجابة للأوبئة إلى قيادة سوق اللقاحات

في ظل الأسبوع العالمي للتحصينات، تبدو مصر أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضعها داخل خريطة صناعة الدواء العالمية، ليس فقط كدولة مستهلكة أو مستوردة، بل كدولة منتجة ومصدّرة، تمتلك قدرة حقيقية على قيادة سوق اللقاحات في أفريقيا.

التحول الجاري لا يتعلق بالماضي أو الحاضر فقط، بل برسم موقع مصر في مستقبل صناعة الدواء عالميًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top