«Illumina» تتيح تحليل ملايين الأجزاء من الحمض النووي وتحديد جينات مقاومة الميكروبات.. ودعم جديد لمنظومة «الصحة الواحدة»
دخلت قدرات الترصد المعملي في مصر مرحلة أكثر تقدمًا، بعد تسلم معهد بحوث الصحة الحيوانية منصة متطورة من شركة Illumina تعتمد على تقنيات التتابع الجيني من الجيل التالي NGS، بما يعزز القدرة على تحليل البصمة الوراثية للميكروبات، والكشف عن جينات مقاومة مضادات الميكروبات، وتتبع مسببات الأمراض وتحوراتها.
وتكتسب الخطوة أهمية تتجاوز قطاع الصحة الحيوانية، في ظل الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، وتصاعد الاهتمام العالمي بمفهوم «الصحة الواحدة – One Health» لمواجهة الأمراض المشتركة ومقاومة مضادات الميكروبات.
بدعم من «الفاو».. منصة جديدة داخل معهد بحوث الصحة الحيوانية
وجاء تسليم المنصة خلال استقبال معهد بحوث الصحة الحيوانية، التابع لمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، وفدًا من خبراء منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» وممثلي برنامج مقاومة مضادات الميكروبات AMR.
وتأتي الخطوة ضمن أنشطة مشروع «التصدي لتغير المناخ من خلال الإدارة المستدامة للثروة الحيوانية»، الممول من الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي بمنحة تبلغ نحو 4 ملايين يورو، والذي يستهدف، ضمن محاوره، تعزيز صحة الحيوان ودعم نهج «الصحة الواحدة» والحد من مخاطر مقاومة مضادات الميكروبات.
ماذا تستطيع منصة Illumina أن تفعل؟
تكمن أهمية تقنية Next Generation Sequencing – NGS في قدرتها على قراءة وتحليل أعداد ضخمة من أجزاء المادة الوراثية بالتوازي، ما يوفر معلومات أكثر تفصيلًا عن الفيروسات والبكتيريا وغيرها من مسببات الأمراض.
وبالنسبة للترصد الوبائي، فإن الوصول إلى التسلسل الجيني للمسبب المرضي يمنح العلماء أداة شديدة الأهمية لفهم خصائصه الوراثية، ودراسة العلاقة بين العينات المختلفة وتتبع التغيرات الجينية التي تطرأ عليها.
وفي ملف مقاومة مضادات الميكروبات تحديدًا، يمكن للتحليل الجينومي المساعدة في الكشف عن الجينات المرتبطة بالمقاومة ودراسة أنماط انتشارها، بما يوفر معلومات مهمة لدعم نظم الترصد واتخاذ القرارات الوقائية.
سماح عيد: نقلة نوعية لرصد المسببات المرضية الخطرة
وأكدت الدكتورة سماح عيد، مدير معهد بحوث الصحة الحيوانية، أن إدخال التقنية يمثل نقلة نوعية تفتح آفاقًا جديدة أمام التعاون والبحث العلمي، لما توفره من قدرات متقدمة لتحليل الخريطة الجينية للميكروبات ورصد جينات المقاومة.
وأوضحت أن التقنية ستدعم أيضًا جهود الترصد الوبائي والتتبع الجزيئي ومراقبة الطفرات والتغيرات الجينية للمسببات المرضية عالية الخطورة، ومن بينها إنفلونزا الطيور والأمراض العابرة للحدود.
وبذلك لا يقتصر دور التكنولوجيا الجديدة على الكشف عن وجود المسبب المرضي، وإنما يمتد إلى محاولة الإجابة عن أسئلة أكثر دقة: ما خصائصه الوراثية؟ وهل يحمل جينات مرتبطة بالمقاومة؟ وكيف ترتبط العزلات المنتشرة ببعضها؟ وهل ظهرت تغيرات جينية تستوجب المزيد من المتابعة؟
مقاومة المضادات.. تهديد لا يتوقف عند المستشفيات
وتبرز أهمية الخطوة بصورة أكبر مع تحول مقاومة مضادات الميكروبات Antimicrobial Resistance إلى أحد أبرز تحديات الصحة العامة عالميًا.
وتحدث المقاومة عندما تتغير البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات بمرور الوقت بحيث لا تعود تستجيب للأدوية على النحو المتوقع، ما يجعل علاج بعض أنواع العدوى أكثر صعوبة، ويرفع مخاطر انتشار المرض والمضاعفات والوفاة.
ولهذا لا يمكن التعامل مع المشكلة داخل المستشفيات فقط؛ فاستخدام مضادات الميكروبات لدى الإنسان والحيوان، وانتقال الميكروبات عبر الغذاء والمياه والبيئة، يجعل المواجهة بحاجة إلى منظومة تربط بين الصحة البشرية والبيطرية والبيئية.
من الحيوان إلى الإنسان.. لماذا تهم المنصة الصحة العامة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن تركيب منصة للتتابع الجيني داخل معهد متخصص في الصحة الحيوانية شأن بيطري بحت، إلا أن الواقع الوبائي العالمي يجعل الأمر أكثر اتساعًا.
فعدد من مسببات الأمراض التي تشغل أنظمة الترصد الصحي عالميًا يرتبط بالحيوان أو يمكن أن ينتقل بين الحيوانات والبشر، فيما تمثل الأمراض العابرة للحدود تحديًا يتطلب اكتشاف المسببات المرضية وتتبعها بأكبر قدر ممكن من السرعة والدقة.
ومن هنا، فإن تعزيز قدرات المعامل البيطرية على الترصد الجينومي يمثل أحد مكونات منظومة الإنذار المبكر الأوسع للأمراض المشتركة، ويتيح إنتاج بيانات يمكن الاستفادة منها في فهم حركة وانتشار المسببات المرضية.
هل تستطيع التقنية التنبؤ بالوباء القادم؟
لا تعني إضافة منصة NGS أن العلماء أصبحوا قادرين على «التنبؤ» بأي وباء قبل حدوثه، وهو استنتاج ينبغي تجنبه عند تناول الخبر إعلاميًا.
لكن التكنولوجيا تمنح الباحثين قدرة أكبر على اكتشاف التغيرات الوراثية، ومقارنة المسببات المرضية، وتتبع سلاسل انتقالها، ومراقبة جينات المقاومة؛ وهي أدوات أساسية لتحسين الترصد والاستجابة المبكرة للمخاطر الصحية.
كما أن امتلاك التكنولوجيا وحده لا يكفي؛ إذ ترتبط فعاليتها بتوافر العينات الجيدة، وقواعد البيانات، والتحليل المعلوماتي الحيوي، والكوادر المدربة، وتبادل البيانات بين القطاعات المعنية.
خطوة نحو شبكة ترصد أكثر تكاملًا
وتفتح المنصة الجديدة الباب أمام تعزيز التعاون بين قطاعات الصحة الحيوانية والصحة العامة والبيئة، خصوصًا في الملفات التي لا تعترف بالحدود التقليدية بين هذه القطاعات، وفي مقدمتها الأمراض المشتركة ومقاومة مضادات الميكروبات.
وبينما تتجه أنظمة الصحة عالميًا إلى الاعتماد بصورة متزايدة على المراقبة الجينومية، تمثل إضافة تقنية التتابع الجيني من الجيل التالي إلى قدرات معهد بحوث الصحة الحيوانية خطوة مهمة لتعزيز البنية المعملية المصرية.
والرهان الأكبر سيكون على تحويل ملايين القراءات الجينية التي تنتجها هذه التكنولوجيا إلى معلومات قابلة للاستخدام في الترصد والإنذار المبكر واتخاذ القرار؛ فالقيمة الحقيقية للمنصة لا تكمن في الجهاز نفسه، وإنما فيما يمكن أن تكشفه بياناته عن الميكروب قبل أن يتحول إلى مشكلة صحية أكبر.



