د. علي الغمراوي رئيس هيئة الدواء المصرية: “الدواء أمن قومي.. ومصر تضع نفسها على خريطة العالم الدوائية”
94% من احتياجات السوق تُصنع محليًا.. و150 دولة تتعامل مع الدواء المصري
إجراء الحوار: رجاء ناجي
في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، برزت صناعة الدواء في مصر كواحدة من قصص النجاح الملهمة. فقد استطاعت الدولة، بقيادة هيئة الدواء المصرية، تحويل الأزمات إلى فرص حقيقية، عبر خطط توطين الإنتاج وفتح أسواق تصديرية جديدة في أكثر من 150 دولة.
وفي حواره لـ بوابة مصر الصحية، كشف الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، عن تفاصيل خطة الاكتفاء الذاتي، وآليات التسعير، والرقابة، والتصدير، والبحث العلمي، مؤكدًا أن الدواء المصري أصبح رمزًا للأمن القومي وريادة الدولة.
94% اكتفاء ذاتي.. و309 مليارات جنيه حجم السوق
يقول د. الغمراوي: “لم تعد صناعة الدواء طموحًا، بل أصبحت واقعًا راسخًا. اليوم نمتلك قاعدة صناعية ضخمة تضم 179 مصنعًا للأدوية البشرية منها 11 مصنعًا معتمدًا دوليًا، و150 مصنعًا للمستلزمات الطبية، و4 للمستحضرات الحيوية، و5 لإنتاج المواد الخام.”
وأوضح أن مصر تدير أكثر من 2370 خط إنتاج، منها 990 لإنتاج الأدوية البشرية، ويعمل بالسوق نحو 1600 شركة توزيع و80 ألف صيدلية. هذه البنية جعلت مصر تتصدر الإقليم بنسبة اكتفاء ذاتي بلغت 94%، وهي الأعلى في الشرق الأوسط وإفريقيا. ويُقدَّر حجم سوق الدواء المصري بـ 309 مليارات جنيه (نحو 6.2 مليار دولار سنويًا)، ببيع 3.5 مليار عبوة دوائية سنويًا، مع توقعات بنمو مركب 15% بين 2023 و2028.
وأضاف: “يستهلك المواطن المصري في المتوسط أدوية بقيمة 55 دولارًا سنويًا، مقابل 13 دولارًا للمواطن الإفريقي. ورغم أن مصر تمثل 8% من سكان القارة، إلا أنها تستحوذ على 27% من قيمة السوق الإفريقي البالغة 23 مليار دولار.”
إدارة الأزمة العالمية بخطة مرنة
يصف رئيس الهيئة عام 2024 بأنه كان عامًا استثنائيًا بسبب ارتفاع أسعار الخامات عالميًا وتذبذب سعر الصرف، لكنه يؤكد أن هيئة الدواء واجهت الأزمة بخطة متكاملة.
وقال: “وفّرنا بدائل متعددة للخامات، وطبقنا آلية عاجلة للتسعير العادل، مع ضبط المخزون الإستراتيجي للدواء. النتيجة كانت استمرار التوافر وعدم حدوث نقص في الأسواق.”
كما دعمت الهيئة تسجيل وتداول 122 مادة فعالة محليًا كانت تستورد سابقًا بقيمة 643 مليون دولار سنويًا، ما وفر عملة صعبة وفتح المجال للتصدير.

تسعير دوائي عادل ومستدام
حول ملف التسعير، يقول د. الغمراوي: “الدواء سلعة استراتيجية لا تخضع لمنطق العرض والطلب. نعمل وفق نظام التسعير المرن الذي يراجع الأسعار دوريًا لضمان العدالة بين المريض والمصنع.”
وأوضح أن لجنة السياسات التسعيرية داخل الهيئة تدرس تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل والقدرة الشرائية قبل أي قرار. وفي عام 2024 تم مراجعة أسعار أكثر من 3000 دواء وتعديلها بنسب مدروسة منعًا لوقف خطوط الإنتاج.
كما أشار إلى أن التسعير المنضبط يعزز القدرة التصديرية، إذ يمنح الشركات المصرية ميزة تنافسية في الأسواق الخارجية، لافتًا إلى أن صادرات الأدوية المصرية إلى إفريقيا ارتفعت 20% في النصف الأول من 2025.
رقابة صارمة من المصنع إلى المريض
هيئة الدواء تراقب كل مراحل دورة الدواء، من دخول المادة الخام حتى وصولها للمريض. ففي عام 2024، أطلقت الهيئة مبادرة “Wash Out” لسحب الأدوية منتهية الصلاحية من السوق، ونفذت أكثر من 115 ألف زيارة تفتيشية على الصيدليات والمخازن، وضبطت 15 ألف مخالفة.
كما يجري العمل على مشروع التتبع الدوائي الإلكتروني المقرر إطلاقه في 2025، لتمكين الهيئة من تتبع الدواء من المصنع حتى المريض، والقضاء على أي تلاعب أو غش.
تصدير الدواء المصري.. من المحلية إلى العالمية
يرى رئيس الهيئة أن التصدير لا يعتمد فقط على جودة المنتج، بل أيضًا على قوة المنظومة الرقابية واعتراف العالم بها. وقال: “عقدنا اتفاقيات مع هيئات كبرى مثل وكالة الأدوية البرازيلية وهيئة زامبيا، إلى جانب شراكات في الرقمنة والدراسات الإكلينيكية.”
وأضاف أن مصر حصلت على التصنيف الأخضر من منظمة الصحة العالمية (WHO Maturity Level 3) في مجالي الأدوية واللقاحات، لتصبح أول دولة إفريقية تحقق هذا الإنجاز، ما فتح أبواب التصدير أمامها.
اليوم تصدر مصر الدواء إلى أكثر من 150 دولة، وارتفع عدد الموافقات التصديرية في النصف الأول من 2025 بنسبة 27%، فيما ارتفعت صادرات إفريقيا وحدها بنسبة 37.7% خلال 2024.
دستور الدواء المصري.. مرجع علمي وتشريعي
أوضح الغمراوي أن الإصدار الخامس من دستور الدواء المصري يمثل إنجازًا نوعيًا ضخمًا، حيث يضم 3400 مونوجراف اكتملت بحلول سبتمبر 2025، ليصبح مرجعًا علميًا وتشريعيًا للصناعة والرقابة.
وقال: “الدستور الجديد يعبر عن واقع الصناعة المصرية، ويدعم التصدير، ويعزز ثقة المجتمع الدولي في الدواء المصري.”
البحث العلمي والتدريب.. استثمار في المستقبل
في عام 2024 وافقت الهيئة على 9 بروتوكولات إكلينيكية تحت إشراف منظمة الصحة العالمية، و37 دراسة تكافؤ حيوي، إلى جانب زيارات تفتيشية للمراكز البحثية.
كما نظمت 112 برنامجًا تدريبيًا لمندوبي الشركات و84 برنامجًا للعاملين بالهيئة بإجمالي 2500 متدرب، وأشرفت على تدريب 11 ألف طالب صيدلة في سنة الامتياز.
وقال: “العنصر البشري هو جوهر المنظومة، ومركز التطوير المهني المستمر أصبح مركز تميز إقليمي لتدريب كوادر من إفريقيا.”
ملامح استراتيجية 2025
– التحول الرقمي الكامل في أعمال الهيئة.
– استمرار سياسة التسعير المرن.
– توسيع التوطين الصناعي بإنشاء 50 مصنعًا جديدًا وتشغيل 48 خط إنتاج جديد.
– تعزيز البحث العلمي والدراسات الإكلينيكية.
– تطبيق نظام التسجيل الإلكتروني العالمي E-CTD اعتبارًا من أبريل 2025.
مستقبل الدواء المصري
يختتم د. الغمراوي حديثه قائلًا: “أرى مستقبل الدواء المصري مشرقًا. نحن نقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل بنسبة 94%، ونواصل توسيع صادراتنا وشراكاتنا الدولية. الدواء المصري اليوم هو رمز قوة وحماية وريادة.”



