تقرير خاص : رجاء ناجي
حين صعد اسم مجمع الإسماعيلية الطبي في الملتقى السنوي السادس للهيئة العامة للرعاية الصحية ليُعلن حصوله على جائزة أفضل مستشفى لعام 2025، لم يكن ذلك مجرد تكريم لمؤسسة طبية، بل توثيقًا لتحوّل كامل في ثقافة إدارة الصحة في مصر. جائزة اعتمدت على حصول المجمع على اعتماد الجودة الدولي JCI وتطبيق واحدًا من أكثر البرامج تعقيدًا في الطب الحديث، برنامج زراعة الكبد، لكن وراء هذه الجائزة حكاية إنسانية تعكس حجم ما جرى في أربع سنوات فقط، وتُظهر أن منظومة التأمين الصحي الشامل تأسست على عقول مصرية نضجت داخل المستشفيات نفسها وتحوّلت إلى قادة تغيير.

البداية… طبيب أطفال يبحث عن كرسي
يروي الدكتور أحمد خالد، مدير مجمع الإسماعيلية الطبي، أن رحلته لم تبدأ في مكتب إداري ولا في غرفة عمليات حديثة، بل في ممر ضيق بمستشفى الإسماعيلية العام قبل أربع سنوات فقط. كان يومة يبدأ بالبحث عن كرسي يجلس عليه، ولا يمتلك من أدوات الفحص سوى سماعة طبية وخافض لسان اشتراه من ماله الخاص. تلك التفاصيل الصغيرة، التي يرويها بابتسامة ، تختصر حال المستشفى آنذاك، وتكشف حجم الفجوة التي تمكنت المنظومة من ردمها.
اليوم، يقود الرجل نفسه منشأة تستقبل يوميًا أكثر من ثلاثة آلاف مريض، وتتجاوز قدراتها ما كان يُظن أنه حلم بعيد المنال لمحافظة كالإسماعيلية.
خمسة ملايين ونصف خدمة… واقع جديد لا يشبه الأمس
منذ انطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل، قدّم المجمع ما يزيد على خمسة ملايين ونصف خدمة طبية شملت الطوارئ والعيادات الخارجية والأقسام الداخلية والعناية المركزة والحضّانات. كما أُجريت داخله أكثر من 111 ألف عملية جراحية، بينها زراعة كبد وزراعة قرنية وزراعة قوقعة وجراحات تافي للقلب وعمليات معقدة لتشوهات العمود الفقري. ويضم اليوم 400 سرير مجهزًا لاستقبال الحالات الحرجة، ويحتوي على مبنى متخصص لزراعة الكلى ومبنى آخر للعلاج الطبيعي يجري تطويره ليصبح مركزًا دوليًا للاستشفاء الطبي.
وهذه الأرقام لم تكن مجرد توسع رقمي، بل تحول في هوية المكان نفسه من مستشفى لا يملك حتي علاج الطوارئ إلى مؤسسة قادرة على تقديم أكثر العمليات دقة وتعقيدًا.
منشأة مصرية باعتماد دولي
لم يكن اعتماد المجمع من هيئة الاعتماد والرقابة الصحية المصرية GAHAR إلا بداية لمسار طموح. فسرعان ما توالت الاعتمادات الدولية، أبرزها اعتماد اللجنة الدولية المشتركة JCI، ثم شهادة ISO للنظم الإدارية. وبفضل هذه الخطوات، أصبح المجمع مرجعًا وطنيًا وإقليميًا في التشغيل الإكلينيكي ومعايير السلامة وجودة الأداء.
واللافت أن هذا التطوير لم يأتِ من الخارج، بل بُني على كوادر مصرية تم تدريبها وتأهيلها داخل وحدات المستشفى نفسه.
تحول رقمي يغيّر طريقة تقديم الخدمة
يشير الدكتور أحمد خالد إلى أن المجمع نجح في الوصول إلى رقمنة شبه كاملة، بنسبة 90% داخل الطوارئ و85% في العيادات الخارجية، مع خطة للوصول إلى التحول الرقمي الكامل خلال فترة قصيرة. وقد انعكس ذلك في قدرة المستشفى على متابعة المرضى، وتحسين مسارات الإحالة، ورفع كفاءة تشغيل الأقسام المختلفة. لم يعد الطبيب يبحث عن ملف ورقي، ولم يعد المريض ينتقل بين الإدارات بحثًا عن معلومات بسيطة؛ كل شيء أصبح موجودًا على نظام موحد يُدار باتساق وشفافية.
زراعة الأعضاء… تجربة علاج جديدة للمصريين
يضم المجمع 35 تخصصًا طبيًا وطاقمًا يتجاوز 1200 طبيب من مختلف الدرجات العلمية، بينهم أساتذة وجرّاحون من كبرى الجامعات المصرية. بدأ المجمع تقديم خدمات زراعة الكلى والكبد والقرنية والقوقعة، وهي عمليات تُجرى داخل مؤسسات كبرى حول العالم، لكنها أصبحت الآن متاحة لمواطن الإسماعيلية بتكلفة لا تتجاوز 450 جنيهًا فقط كمساهمة مقررة من التأمين الشامل، مهما بلغت التكلفة الفعلية للعملية.
هذا الرقم الصغير ليس مجرد دعم مالي؛ إنه إعلان واضح عن فلسفة جديدة: الرعاية الصحية المتقدمة ليست امتيازًا… بل حق.
ثلاثة آلاف مريض يوميًا… وثقافة خدمة لا تفرّق بين أحد
أصبح المجمع يستقبل ما يقرب من ثلاثة آلاف مريض يوميًا، منهم محولون من وحدات طب الأسرة، وآخرون من الطوارئ، ومئات الحالات المقيمة بالأقسام الداخلية. وتتم جميع الإجراءات دون تفرقة بين منتفع التأمين الشامل أو التأمين القديم أو نفقة الدولة. وتتم إدارة الشكاوى عبر وحدات جودة تتابع كل قسم لحظة بلحظة، بينما بلغت نسبة رضا المنتفعين مؤخرًا 92%، وهي نسبة نادرة في المستشفيات الحكومية، وتعكس حجم التحول في ثقافة الخدمة.

كوادر الهيئة… أبناء المؤسسة يقودون المستقبل
أبرز ما يميز قصة مجمع الإسماعيلية الطبي أن التغيير لم يأتِ من الخارج، بل نبت من الداخل. كوادر فنية وتمريضية وطبية بدأت من نفس الممرات القديمة، ثم تلقت تدريبًا مكثفًا ضمن استراتيجية الهيئة العامة للرعاية الصحية، لتصبح اليوم جزءًا من نواة منظومة صحية جديدة قائمة على العلم والعمل المؤسسي والانضباط.
استدامة مالية… من مستشفى خاسر إلى مؤسسة رابحة
ينفق المجمع ما يقرب من مائة مليون جنيه شهريًا على التشغيل، منها ثلاثون مليونًا للأدوية وحدها. ومع ذلك، نجح في تحقيق فائض مالي بفضل دقة المسار المالي الخاص بالتأمين الصحي الشامل، وبلغت المطالبات المجمعة في الشهر الأخير نحو 160 مليون جنيه. هذا التحول لم يكن ليحدث لولا الفصل المؤسسي بين التمويل والجودة ومقدم الخدمة، وهو جوهر إصلاح منظومة التأمين الشامل.
تحديات الماضي… وثقافة جديدة للرعاية
يؤكد الدكتور خالد أن أصعب ما واجهته المنظومة لم يكن نقص الإمكانيات، بل نقص الوعي. المواطن الذي اعتاد “الدخول مباشرة” إلى المستشفى كان بحاجة إلى إعادة تعريف لفكرة الإحالة والحجز وتخصص طب الأسرة. ومع الوقت، تغيّر السلوك العام، وانتقلت الخدمة من الاعتماد على الانطباعات الفردية إلى منظومة قائمة على معايير علمية ومؤشرات أداء دقيقة.
قصة المجمع الطبي ليست حكاية مبنى تطور، بل شهادة على أن التحول الصحي الحقيقي يبدأ من الإنسان… وينتهي عنده.
وأن منظومة التأمين الصحي الشامل قادرة، حين تتوفر الإرادة، على تحويل ممر بلا كرسي إلى مستشفى معتمد دوليًا… وإلى نموذج يمكن تعميمه في كل محافظات مصر.



