تقرير: رجاءناجي
لم تعد صورة السائح العلاجي في مصر مرتبطة برمال سيوة الساخنة، أو مياه حلوان الكبريتية، أو جلسات العلاج الطبيعي البدائية التي اشتهرت بها مصر لعقود. فقد بدأت البلاد—بهدوء وثبات—تشق طريقًا جديدًا نحو صناعة عالمية تمزج الطب الحديث بالخدمات المتكاملة، لتضع مصر على خريطة السياحة العلاجية الإقليمية والدولية.
هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل عبر مشروع وطني تقوده الهيئة العامة للرعاية الصحية تحت العلامة التجارية «نرعاك في مصر»، برؤية تؤسس لصناعة متقدمة تستند إلى المستشفيات المعتمدة، الكوادر المحترفة، والباقات العلاجية المصممة خصيصًا للمرضى الوافدين.

من شفاء الطبيعة إلى صناعة الطب: رحلة مصر نحو سياحة علاجية حديثة
لسنوات طويلة كان العلاج في مصر يعتمد على الطبيعة: رمال، طمي، مياه كبريتية. اليوم تغيّر المشهد جذريًا. فقد أصبحت مصر تقدم خدمات طبية متقدمة تشمل:
• جراحات القلب والتدخلات الدقيقة
• الأورام والعلاج الكيماوي
• العظام والمناظير والجراحات الميكروسكوبية
• زراعة الأعضاء
• طب الأسنان والتجميل
• إعادة التأهيل والعلاج الطبيعي ما بعد الجراحة
لم تعد السياحة العلاجية “جلسة استرخاء”… بل منظومة طبية كاملة تُدار بمعايير عالمية، خصوصًا في محافظات بورسعيد، الإسماعيلية، الأقصر، وسيناء، حيث تم تطوير مستشفيات حكومية بمستويات تقنية تضاهي مراكز إقليمية كبيرة.
أرقام تكشف طفرة غير مسبوقة: مصر على خريطة العلاج العالمي
وفق أحدث تقارير هيئة الرعاية الصحية حتى نهاية 2025:
• أكثر من 30 ألف مريض أجنبي تلقّوا خدمات علاجية داخل منشآت الهيئة
• المرضى جاءوا من 120 دولة حول العالم
• إيرادات السياحة العلاجية تجاوزت 4.4 مليون دولار خلال عام واحد
• إيرادات إضافية بلغت 1.18 مليون دولار
• في 2024 وحده: 12 ألف مريض أجنبي—زيادة بلغت 200% مقارنة بعام 2023
ووفق تقديرات حكومية، يمكن أن تصل عوائد قطاع السياحة العلاجية في مصر إلى 1.7 مليار دولار سنويًا خلال سنوات قليلة.
هذه الأرقام، رغم بدايتها، تعكس مستقبلًا واعدًا لصناعة قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.

ماذا تقدّم مصر للوافدين للعلاج؟
مشروع «نرعاك في مصر» لا يبيع “علاجًا” فقط… بل “تجربة صحية متكاملة”.
التجربة تشمل:
• مستشفيات معتمدة دوليًا بمعايير GAHAR وJCI
• أطقم طبية ذات خبرة عالمية
• باقات علاجية تنافسية ومُصممة حسب الدولة والمرض
• تعاون مع شركات تأمين طبية دولية
• ملف صحي إلكتروني يتابعه المريض عند عودته لبلده
• خدمات لوجستية كاملة: استقبال بالمطار – إقامة – مترجم – تنقلات – علاج
• أسعار أقل بنسبة 40–60% من دول مثل تركيا والأردن وأوروبا
مصر لم تعد تعتمد على “السعر الأرخص”، بل على منظومة خدمات متكاملة وقوة طبية بشرية ضخمة.

د.أحمد السبكي: رؤية استراتيجية بعيدة المدى
أكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس هيئة الرعاية الصحية والمشرف العام على التأمين الصحي الشامل، أن الهيئة تمضي بثبات نحو ترسيخ مكانة مصر كوجهة عالمية للسياحة العلاجية، قائلاً:
“هدفنا ليس تقديم خدمة طبية فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تحقق أعلى مستويات الرضا، وتستفيد من الموارد المتاحة دون تحميل المستفيد أي أعباء إضافية.”
وأشار السبكي إلى أن مشروع «نرعاك في مصر» يستند إلى ستة أهداف استراتيجية:
1. ترسيخ مكانة مصر كوجهة عالمية للسياحة العلاجية
2. تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة عبر جذب العملة الأجنبية
3. تطوير حزم علاجية تنافسية
4. تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات
5. توظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة الخدمات
6. المشاركة الفاعلة في المحافل الدولية لدعم الحضور المصري عالميًا
أربعة محاور تشكّل العمود الفقري لخطة مصر في السياحة العلاجية
1. تشغيل المستشفيات والاعتماد الدولي
• اعتماد منشأتين من اللجنة الدولية لجودة الرعاية JCI
• مسارات خدمة مخصصة للمرضى الأجانب
2. التسويق الصحي عالميًا
• لائحة أسعار تنافسية
• باقات علاجية شاملة
• حملات ترويج على منصات عالمية
3. إنشاء شبكة طبية متكاملة
تشمل شركات التأمين الدولي، شركات السياحة العلاجية، المستشفيات الحكومية والخاصة.
4. المتابعة وقياس رضا الوافدين
نظام لتقييم التجربة الطبية، ومراجعة الأسعار وفق المتغيرات الاقتصادية.
الخلاصة: مصر تقترب من أن تصبح مركزًا عالميًا للعلاج
لم تعد السياحة في مصر “شمسًا وأهرامات”، بل أصبحت “طبًا وشفاءً وأملًا”.
ووفق الدكتور أحمد السبكي، فقد شهدت منشآت الهيئة قفزة قياسية في أعداد الوافدين، متوقعًا:
“أن تصبح مصر خلال سنوات قليلة واحدة من أهم ثلاث وجهات للسياحة العلاجية في الشرق الأوسط وأفريقيا.”
“نرعاك في مصر” لم يعد شعارًا…
إنه مشروع دولة، ورؤية اقتصادية، وصناعة جديدة تولد على أرض مصر.



