هل يمكن تغيير نظرة الدماغ إلى أجساد النساء بالكهرباء؟

باحثون يختبرون تأثير تيار كهربائي ضعيف على طريقة إدراك صور النساء.. والنتائج تفتح أسئلة جديدة حول دور الدماغ في النظرة الجسدية للمرأة

هل يمكن أن ينظر الإنسان إلى صورة امرأة بطريقة مختلفة لمجرد تغيير نشاط جزء من دماغه؟ وهل تتأثر الطريقة التي ندرك بها الآخرين بالعمليات العصبية التي تحدث داخل رؤوسنا دون أن نشعر؟

هذه الأسئلة كانت محور دراسة علمية أجراها باحثون من جامعة إكستر البريطانية، كشفت أن تحفيز الدماغ بتيار كهربائي ضعيف قد يغيّر مؤقتًا طريقة معالجة صور النساء المعروضات بصورة جنسية.

ورغم أن النتيجة تبدو غريبة للوهلة الأولى، فإنها تقدم مدخلًا مهمًا لفهم العلاقة بين نشاط الدماغ والطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى أجساد الآخرين.

ما المقصود بالنظر إلى المرأة باعتبارها مجرد جسد؟

عندما نشاهد صورة شخص، يتعامل الدماغ عادةً مع ملامحه وهيئته بوصفها أجزاء مترابطة من إنسان واحد.

لكن بعض الأبحاث النفسية تشير إلى أن الصور التي تركز على الجاذبية الجنسية للمرأة قد تُعالَج في الدماغ بطريقة مختلفة، بحيث يزداد التركيز على أجزاء الجسد بدلًا من إدراك الصورة ككل.

ويُطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «التشييء الجنسي»، أي اختزال الإنسان في جسده أو مظهره بدلًا من النظر إليه بوصفه شخصًا متكاملًا.

ومع ذلك، فإن طريقة معالجة صورة داخل الدماغ لا تعني بالضرورة أن صاحبها يتبنى مواقف مهينة تجاه النساء، أو أنه سيتصرف معهن بطريقة تمييزية.

كيف اختبر العلماء هذه الفكرة؟

أجرى الباحثون تجربة على 76 طالبًا جامعيًا، بينهم 54 امرأة و22 رجلًا.

وعرضوا عليهم صورًا لرجال ونساء يرتدون ملابس داخلية، وطلبوا منهم التعرف على الصور التي سبق أن شاهدوها.

لكن التجربة تضمنت تفصيلًا مهمًا: بعض الصور ظهرت في وضعها الطبيعي، بينما عُرضت صور أخرى مقلوبة رأسًا على عقب.

لماذا قلب العلماء الصور؟

لأن الدماغ البشري عادةً ما يتعرف على الأشخاص بسهولة أكبر عندما تكون صورهم مستقيمة.

أما إذا كان يتعامل مع صورة الشخص بطريقة أقرب إلى التعامل مع الأشياء، فقد يصبح الفرق بين التعرف على الصورة المستقيمة والمقلوبة أقل وضوحًا.

ومن خلال مقارنة أداء المشاركين، حاول العلماء معرفة ما إذا كانت صور النساء والرجال تُعالَج بالطريقة نفسها.

أين دخلت الكهرباء في التجربة؟

قسم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين.

تلقت المجموعة الأولى تحفيزًا كهربائيًا خفيفًا عبر أقطاب توضع على فروة الرأس لمدة عشر دقائق، بهدف التأثير في نشاط مناطق معينة من الدماغ.

أما المجموعة الثانية، فخضعت لإجراء مشابه دون تلقي التحفيز الفعلي، حتى يتمكن العلماء من مقارنة النتائج.

ومن المهم هنا توضيح أن الحديث ليس عن صدمات كهربائية مؤلمة أو عن العلاج بالصدمات الكهربائية المستخدم في بعض الحالات النفسية، وإنما عن تقنية بحثية تعتمد على تيار كهربائي ضعيف للغاية.

ماذا حدث بعد تحفيز الدماغ؟

لاحظ الباحثون أن المشاركين الذين تلقوا التحفيز الفعلي أصبحوا أفضل في التعرف على صور النساء عندما كانت معروضة في وضعها الطبيعي.

كما اختفى لديهم الفرق الذي رصده الباحثون بين طريقة التعرف على صور النساء وصور الرجال.

وبعبارة أبسط، بدا أن التحفيز الكهربائي غيّر الطريقة التي عالج بها الدماغ صور النساء خلال الاختبار، وجعل أداء المشاركين أقرب إلى النمط المعتاد عند التعرف على صور الأشخاص.

وهذه النتيجة دفعت العلماء إلى الاعتقاد بأن بعض الاختلافات في إدراك الصور الجنسية قد تكون مرتبطة بنشاط مناطق معينة من الدماغ، وليس فقط بالأفكار والمواقف الاجتماعية الواعية.

هل يعني ذلك أن الكهرباء تجعل الإنسان يحترم النساء أكثر؟

الإجابة: لا، فالدراسة لم تختبر ذلك أصلًا.

لم يسأل الباحثون المشاركين عما إذا كانت آراؤهم تجاه النساء قد تغيرت، ولم يقيسوا سلوكهم في الحياة اليومية، ولم يختبروا تأثير التحفيز الكهربائي في التحرش أو التمييز أو العلاقات بين الرجال والنساء.

كل ما اختبرته الدراسة هو قدرة المشاركين على التعرف على صور محددة داخل المختبر، قبل إجراء التحفيز الكهربائي وبعده.

كذلك، لم تثبت الدراسة أن التأثير يستمر لفترة طويلة، أو أنه يمكن استخدام هذه التقنية لتغيير المعتقدات والسلوكيات الاجتماعية.

ومن الضروري أيضًا الانتباه إلى أن التجربة شملت رجالًا ونساءً، وبالتالي لا يصح تقديم نتائجها باعتبارها اختبارًا لطريقة تفكير الرجال وحدهم.

لماذا تُعد الدراسة مهمة رغم هذه الحدود؟

تكمن أهمية البحث في أنه يضيف جانبًا عصبيًا إلى قضية غالبًا ما تُناقش من منظور اجتماعي وثقافي.

فالنظرة التي تختزل المرأة في جسدها ترتبط بعوامل متعددة، منها الصور الإعلامية، والتنشئة الاجتماعية، والثقافة السائدة، وطريقة تقديم أجساد النساء في الإعلانات والمحتوى المرئي.

وتشير النتائج الجديدة إلى أن فهم هذه الظاهرة قد يحتاج أيضًا إلى دراسة الآليات التي يستخدمها الدماغ عند التعرف على الأشخاص.

لكن الباحثين لا يقدمون التحفيز الكهربائي بوصفه حلًا اجتماعيًا أو علاجًا للتمييز، وإنما وسيلة تجريبية تساعدهم على فهم كيفية عمل الدماغ.

وتبقى الخلاصة أن الدراسة لم تكتشف طريقة كهربائية لمنع التمييز ضد النساء، لكنها أظهرت أن طريقة إدراك الدماغ لصورهن يمكن أن تتغير مؤقتًا تحت ظروف معملية محددة، وهو اكتشاف يحتاج إلى مزيد من الأبحاث قبل معرفة أهميته خارج المختبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top