قصر العيني.. 200 عام من صناعة الطب وقوة مصر الناعمة
لم يكن قصر العيني يومًا مجرد مدرسة لتخريج الأطباء أو مستشفى لعلاج المرضى، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا حمل على عاتقه بناء الطب الحديث في مصر، وصناعة المعرفة، ونقل أحدث العلوم الطبية إلى العالم العربي. ومن بين الصفحات المضيئة في تاريخ هذه المؤسسة العريقة، تبرز قصة «يعسوب الطب»، أول مجلة طبية علمية متخصصة تصدر باللغة العربية، لتؤكد أن قصر العيني لم يكن رائدًا في التعليم الطبي فحسب، بل كان أيضًا رائدًا في الصحافة العلمية العربية.
في عام 1865، وبينما كانت أوروبا تشهد طفرة علمية كبرى، كانت مصر تخطو خطوة غير مسبوقة بإصدار أول دورية طبية عربية متخصصة، حملت اسم «يعسوب الطب»، في عهد الخديوي إسماعيل، لتصبح نافذة ينقل من خلالها أطباء قصر العيني أحدث ما توصل إليه العلم إلى الأطباء والطلاب باللغة العربية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن ونصف على صدورها، لا تزال النسخ الأصلية من المجلة محفوظة داخل متحف تاريخ طب قصر العيني، شاهدة على مرحلة فارقة آمن فيها رواد الطب المصري بأن اللغة العربية قادرة على استيعاب أدق المصطلحات الطبية وأكثرها تعقيدًا، وأن تعريب العلوم ليس حلمًا، بل مشروعًا قابلًا للتنفيذ.
اقرأ ايضًا: قصر العيني.. 200 عام من صناعة الطب وقوة مصر الناعمة
مشروع وطني لتوطين المعرفة
وقف خلف هذا المشروع الرائد الدكتور محمد علي باشا البقلي، ثاني مدير مصري لمدرسة الطب وأحد رواد الجراحة الحديثة، الذي تولى رئاسة تحرير المجلة بالتعاون مع الحكيم النطاسي إبراهيم حلمي، واضعين نصب أعينهما هدفًا واضحًا؛ وهو بناء جسر علمي يربط المدرسة الطبية المصرية بما تشهده أوروبا من تطور متسارع، مع تقديم هذا العلم باللغة العربية للأطباء والطلاب.
ولم يكن اختيار اسم «يعسوب الطب» عابرًا؛ فاليعسوب هو قائد النحل، في إشارة إلى أن المجلة أرادت أن تقود الحركة العلمية والطبية في المنطقة، وأن تصبح مرجعًا للأطباء والباحثين.
وتكشف الترويسة الأصلية للمجلة أنها كانت تُطبع في المطبعة الطبية بوادي النيل خلال شهر ربيع الآخر عام 1282 هـ، في واحدة من أوائل التجارب المؤسسية للنشر الطبي العلمي في الشرق الأوسط.

طب حديث… بلغة عربية
عند تصفح أعداد المجلة، يكتشف القارئ مستوى علميًا يسبق عصره. فقد ضمت صفحاتها مقالات في الجراحة والباطنة والصيدلة والأمراض الصدرية، إلى جانب وصفات علاجية اعتمدت على أحدث ما كان معروفًا آنذاك، مع تحديد الجرعات وفق المقاييس الطبية المستخدمة في القرن التاسع عشر، مثل الدرهم والأوقية.
كما نشرت المجلة أبحاثًا سريرية تناولت أسباب الأمراض وطرق الوقاية منها، اعتمادًا على الملاحظة الإكلينيكية والخبرة العملية، وهو ما يعكس تطور المدرسة الطبية المصرية وحرصها على نشر المعرفة المبنية على الدليل العلمي، في وقت لم تكن فيه الصحافة الطبية قد عرفت طريقها إلى معظم دول المنطقة.
أحد أعمدة النهضة الطبية العربية
لم تكن «يعسوب الطب» مجرد مجلة تصدر كل شهر، بل كانت جزءًا من مشروع وطني أكبر لتوطين العلوم وتعريبها، وترسيخ ثقافة البحث العلمي، وإعداد جيل من الأطباء قادر على متابعة التطورات العالمية بلغته الأم.
واستمرت المجلة في أداء رسالتها العلمية لمدة 11 عامًا حتى عام 1876، لتصبح المدرسة التي تعلمت منها أجيال من الأطباء العرب أسس الكتابة الطبية والنشر العلمي، وتضع اللبنة الأولى للصحافة الطبية المتخصصة في العالم العربي.
قصر العيني… منارة للعلم وقوة ناعمة لمصر
ومع اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس قصر العيني، تعود قصة «يعسوب الطب» لتذكرنا بأن هذه المؤسسة لم تكن مجرد كلية طب، بل كانت مركزًا لصناعة المعرفة، ومنارة للتنوير، وأحد أبرز تجليات القوة الناعمة المصرية.
فكما أسهم قصر العيني في تخريج آلاف الأطباء الذين حملوا رسالته إلى مختلف الدول العربية والأفريقية، كان أيضًا أول من آمن بأن بناء الطب الحديث لا يكتمل إلا ببناء عقل علمي يقرأ ويكتب وينشر بلغته، ليصبح «يعسوب الطب» شاهدًا حيًا على مرحلة صنعت فيها مصر تاريخ الصحافة الطبية العربية، ورسخت مكانتها مركزًا للعلم والابتكار في الشرق الأوسط.



