الحكومة تبحث زيادة الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا لدعم الأمن الدوائي والصادرات
اجتماع موسع برئاسة وزير الصحة يضع الصناعة الدوائية على رأس أولويات الدولة.. وخبراء: التصنيع المحلي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات العالمية
لم يعد الحديث عن توطين صناعة الدواء في مصر مجرد هدف اقتصادي أو صناعي، بل أصبح أحد أهم ملفات الأمن القومي الصحي، خاصة بعد الدروس التي كشفتها جائحة «كوفيد-19» وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار المواد الخام، وتزايد المنافسة الدولية على الأدوية واللقاحات والمستحضرات الحيوية.
وفي هذا الإطار، شهد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، اجتماع مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية في جلسته السابعة عشرة، بحضور عدد من الوزراء وكبار المسؤولين، لمناقشة حزمة من القرارات الاستراتيجية التي تستهدف تعزيز الصناعة الدوائية الوطنية، وزيادة الإنتاج المحلي، والتوسع في توطين صناعة المستحضرات الحيوية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق الأمن الدوائي المصري.
وشارك في الاجتماع الدكتور محمد فريد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والمهندس خالد هاشم وزير الصناعة، والدكتور محمد عوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، والدكتور هشام ستيت رئيس هيئة الشراء الموحد، والدكتور أحمد طه رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، والدكتور عادل العدوي وزير الصحة الأسبق، في تأكيد على أن ملف الدواء أصبح قضية تتقاطع فيها الصحة والاستثمار والصناعة والتجارة.
اقرأ ايضًا: هيئة الدواء تحذر من إساءة استخدام أدوية شائعة.. وتصدر قائمة تنظيمية لضبط تداوله
لماذا أصبح التوطين أولوية؟
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة في إمدادات الدواء، دفعت كثيرًا من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الدوائية، والاتجاه نحو التصنيع المحلي بدلاً من الاعتماد الكامل على الاستيراد.
وفي مصر، يتجاوز مفهوم التوطين مجرد تصنيع عبوات الدواء محليًا، ليشمل نقل التكنولوجيا، وإنتاج المواد الفعالة، وتصنيع المستحضرات الحيوية والبيولوجية عالية التقنية، التي تعد من أكثر الأدوية تكلفة واعتمادًا على الاستيراد.
ويرى خبراء أن توطين هذه الصناعات يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وضمان توافر الأدوية الحيوية بصورة مستدامة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الصحية، فضلًا عن فتح أسواق تصديرية جديدة للدواء المصري.

المستحضرات الحيوية.. الجيل الأكثر تطورًا
ركز الاجتماع بصورة خاصة على توطين صناعة المستحضرات الحيوية، وهي أدوية يتم إنتاجها باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية والخلايا الحية، وتستخدم في علاج أمراض معقدة مثل السرطان، وأمراض المناعة الذاتية، والسكري، والأمراض الوراثية النادرة.
وتُعد هذه الفئة من الأدوية من الأعلى تكلفة عالميًا، ما يجعل تصنيعها محليًا خطوة استراتيجية لتقليل الأعباء الاقتصادية على الدولة والمرضى، وضمان استمرار توافرها داخل السوق المصرية.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار أن توطين صناعة المستحضرات الحيوية وزيادة الإنتاج المحلي يمثلان ركيزة أساسية للأمن القومي الصحي، مشيرًا إلى أن الدولة تقدم دعمًا كاملًا للشركات الوطنية، وتعمل على إزالة العقبات أمام المستثمرين، إلى جانب الاستثمار في تدريب الكوادر البشرية والبحث العلمي لمواكبة التطورات العالمية في مجالات التصنيع والرقابة والابتكار.
من الصناعة إلى التصدير
من جانبه، أوضح الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن توطين الصناعات الدوائية يمثل أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الاستثمار المصرية، من خلال نقل التكنولوجيا الحديثة، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.
وفي السياق نفسه، أكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن الصناعات الدوائية تأتي في مقدمة مستهدفات استراتيجية الصناعة 2030، باعتبارها قطاعًا قادرًا على خفض الواردات، وخلق فرص عمل نوعية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير الدواء.
رقابة أكثر تطورًا وجودة أعلى
ولم تقتصر مناقشات مجلس إدارة هيئة الدواء على ملف التصنيع، بل امتدت إلى تطوير المنظومة الرقابية، حيث ناقش المجلس استحداث وحدة متخصصة للتعامل الآمن مع مخلفات التحاليل وفق أحدث المعايير البيئية، إلى جانب إعداد دليل تنظيمي موحد للتفتيش على مصانع المواد الخام، بما يضمن توحيد الإجراءات الرقابية، وتعزيز الالتزام بممارسات التصنيع الجيد.
كما تناول الاجتماع مراجعة آليات تسعير الأدوية، بهدف تحقيق معادلة متوازنة تضمن توافر الدواء للمواطن بأسعار مناسبة، مع الحفاظ على استدامة الصناعة الوطنية وتشجيع الاستثمار في القطاع.
وأكد الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، أن الهيئة تضع جودة وأمان وفاعلية الدواء على رأس أولوياتها، مع تقديم جميع التيسيرات اللازمة لتوطين إنتاج المستحضرات الحيوية، ونقل التكنولوجيا الحديثة، بما يحقق استقرار سلاسل الإمداد، ويعزز فرص تصدير الدواء المصري إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

الدواء.. استثمار في الأمن القومي
أن ما تشهده مصر اليوم من توسع في توطين الصناعات الدوائية لا يقتصر على زيادة الطاقة الإنتاجية، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا في فلسفة إدارة القطاع الصحي، يقوم على بناء قدرة وطنية مستقلة في إنتاج الأدوية الحيوية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة الدواء في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ففي عالم أصبحت فيه الأدوية واللقاحات جزءًا من الأمن القومي للدول، لم يعد التصنيع المحلي خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لضمان حق المواطن في الحصول على دواء آمن وفعال، وتعزيز مكانة مصر على خريطة صناعة الدواء العالمية.



